فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 3896

مُنْذُ قَدِمْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ} . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي"الْمُسْنَدِ".

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلٍ لَكَ أَوْ مَالٍ، فَصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ. وَلِأَنَّهُ مُقِيمٌ بِبَلَدٍ فِيهِ أَهْلُهُ، فَأَشْبَهَ الْبَلَدَ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ.

(1283) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ، فَلَا يُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَهَذَا يُصَلِّي بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْشَأَ السَّفَرَ، فَهُوَ فِي سَفَرٍ مِنْ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ.

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مُقِيمًا بِبَغْدَادَ، فَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْكُوفَةِ، فَعَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِالنَّهْرَوَانِ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَرَّ بِبَغْدَادَ ذَاهِبًا إلَى الْكُوفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إذَا كَانَ يَمُرُّ بِبَغْدَادَ مُجْتَازًا، لَا يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا. وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ فِي نِيَّتِهِ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ بِعَرَفَةَ، وَلِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ لَا يَقْصُرُونَ.

وَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ مَكِّيٍّ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَأَضَافَ إلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ ; لِأَنَّ الْمَكِّيَّ يَقْصُرُ بِتَأْوِيلٍ، فَصَحَّتْ صَلَاةُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ.

(1284) فَصْلٌ: وَإِذَا خَرَجَ الْمُسَافِرُ، فَذَكَرَ حَاجَةً، فَرَجَعَ إلَيْهَا، فَلَهُ الْقَصْرُ فِي رُجُوعِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يُقِيمَ إذَا رَجَعَ مُدَّةً تَقْطَعُ الْقَصْرَ، أَوْ يَكُونَ أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ; لِمَا ذَكَرْنَا. هَكَذَا حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ. وَقَوْلُهُ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: أَتَمَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَارًّا.

يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا قَصَدَ أَخْذَ حَاجَتِهِ، وَالرُّجُوعَ مِنْ غَيْرِ إقَامَةٍ، أَنَّهُ يَقْصُرُ، وَالشَّافِعِيُّ يَرَى لَهُ الْقَصْرَ، مَا لَمْ يَنْوِ فِي رُجُوعِهِ الْإِقَامَةَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعًا، قَالَ: وَلَوْ كَانَ أَتَمَّ أَحَبُّ إلَيَّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُتِمُّ حَتَّى يَخْرُجَ فَاصِلًا لِلثَّانِيَةِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.

وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ بِخُرُوجِهِ، وَلَمْ تُوجَدْ إقَامَةٌ تَقْطَعُ حُكْمَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتَى قَرْيَةً غَيْرَ مَخْرَجِهِ.

(1285) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ قَالَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ، وَغَدًا أَخْرُجُ. قَصَرَ، وَإِنْ أَقَامَ شَهْرًا)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الْإِقَامَةَ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَلَهُ الْقَصْرُ، وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ، مِثْلُ أَنْ يُقِيمَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ يَرْجُو نَجَاحَهَا، أَوْ لِجِهَادِ عَدُوٍّ، أَوْ حَبَسَهُ سُلْطَانٌ أَوْ مَرَضٌ، وَسَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ انْقِضَاءُ الْحَاجَةِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، أَوْ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ أَنْ يَحْتَمِلَ انْقِضَاؤُهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ {: أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ جَابِرٌ: {أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ} . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي"مُسْنَدِهِ". وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت