فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَعَلَى الْأَبِ إعْفَافُ ابْنِهِ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ، نَفَقَتُهُ، وَكَانَ مُحْتَاجًا إلَى إعْفَافِهِ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ، وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَيَلْزَمُهُ إعْفَافُهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، كَأَبِيهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ يَجِيءُ فِي كُلِّ مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ ; مِنْ أَخٍ، أَوْ عَمٍّ، أَوْ غَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ فِي الْعَبْدِ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ، وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْهِ. وَكُلُّ مِنْ لَزِمَهُ إعْفَافُهُ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِعْفَافِ إلَّا بِذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْأَبَ نَفَقَةُ زَوْجَةِ الِابْنِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الِابْنَ كَانَ يَجِدُ نَفَقَتَهَا.
(6496) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ، أُجْبِرَ وَارِثُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ، عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ مِنْهُ)
ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ لِمَوْرُوثِهِ، إذَا اجْتَمَعْت الشُّرُوطُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي الصَّبِيِّ الْمُرْضِعِ لَا أَبَ لَهُ وَلَا جَدَّ، نَفَقَتَهُ وَأَجْرَ رَضَاعِهِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ. وَكَذَلِكَ رَوَى بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ: النَّفَقَةُ عَلَى الْعَصَبَاتِ. وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى عَلَى بَنِي عَمِّ مَنْفُوسٍ بِنَفَقَتِهِ. احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَبَسَ عَصَبَةً يُنْفِقُونَ عَلَى صَبِيِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ. وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ وَمَعُونَةٌ تَخْتَصُّ الْقَرَابَةَ، فَاخْتَصَّتْ بِهَا الْعَصَبَاتُ، كَالْعَقْلِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} . وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَفَقَةَ إلَّا عَلَى الْمَوْلُودِينَ وَالْوَالِدَيْنِ ; {لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَرَجُلٍ سَأَلَهُ: عِنْدِي دِينَارٌ ؟ قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِك. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِك. قَالَ: عِنْدِي آخَرُ ؟. قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ} . وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِنْفَاقِهِ عَلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِنَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ، وَمَنْ سِوَاهُمْ لَا يَلْحَقُ بِهِمْ فِي الْوِلَادَةِ وَأَحْكَامِهَا، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِمْ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} . ثُمَّ قَالَ: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} . فَأَوْجَبَ عَلَى الْأَبِ نَفَقَةَ الرَّضَاعِ، ثُمَّ عَطَفَ الْوَارِثَ عَلَيْهِ، فَأَوْجَبَ عَلَى الْوَارِثِ مِثْلَ مَا أَوْجَبَ عَلَى الْوَالِدِ.
وَرُوِيَ {أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَبَرُّ ؟ قَالَ: أُمَّك وَأَبَاك، وَأُخْتَك وَأَخَاك. وَفِي لَفْظٍ: وَمَوْلَاك الَّذِي هُوَ أَدْنَاك، حَقًّا وَاجِبًا، وَرَحِمًا مَوْصُولًا.} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذَا نَصٌّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْزَمَهُ الصِّلَةَ وَالْبِرَّ وَالنَّفَقَةُ مِنْ الصِّلَةِ، جَعَلَهَا حَقًّا وَاجِبًا، وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِي كُلِّ ذِي رَحِمٍ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ فِي