فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 3896

وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ، فَغَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْحَضَرِ، كَالصَّلَاةِ، وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنْ يَمْسَحَ الْمُسَافِرُ ثَلَاثًا فِي سَفَرِهِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي سَفَرِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَحْتَسِبُ بِالْمُدَّةِ الَّتِي مَضَتْ فِي الْحَضَرِ.

(420) فَصْلٌ: فَإِنْ شَكَّ، هَلْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ، أَوْ الْحَضَرِ، بَنَى عَلَى مَسْحِ حَاضِرٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ مَعَ الشَّكِّ فِي إبَاحَتِهِ. فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ، جَازَ الْبِنَاءُ عَلَى مَسْحِ مُسَافِرٍ. وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى بَعْدَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَعَ الشَّكِّ، ثُمَّ تَيَقَّنَ، فَعَلَيْهِ إعَادَةُ مَا صَلَّى مَعَ الشَّكِّ ; لِأَنَّهُ صَلَّى بِطَهَارَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ صَلَّى يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ، كَانَتْ طَهَارَتُهُ صَحِيحَةً، وَعَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ. وَإِنْ كَانَ مَسَحَ مَعَ الشَّكِّ صَحَّ ; لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ، فَتَوَضَّأَ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا أَجْزَأَهُ.

وَعَكْسُهُ: مَا لَوْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، فَصَلَّى، ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَخَلَ، لَمْ يُجْزِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ شَكَّ الْمَاسِحُ فِي وَقْتِ الْحَدَثِ، بَنَى عَلَى الْأَحْوَطِ عِنْدَهُ. وَهَذَا التَّفْرِيعُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، فَأَمَّا عَلَى الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ الْمُسَافِرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ

(421)مَسْأَلَةٌ: قَالَ:(وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ وَخَلَعَ، وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ خَلَعَ)

وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ; لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَسْحَ الْمُسَافِرِ، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ ; وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عِبَادَةٌ يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا ابْتَدَأَهَا فِي السَّفَرِ ثُمَّ حَضَرَ فِي أَثْنَائِهَا، غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ، كَالصَّلَاةِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَائِهَا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَ الْمَسْحُ، فَبَطَلَتْ طَهَارَتُهُ، فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِبُطْلَانِهَا، وَلَوْ تَلَبَّسَ بِالصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ، فَدَخَلَتْ الْبَلَدَ فِي أَثْنَائِهَا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِذَلِكَ.

(422) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَمْسَحُ إلَّا عَلَى خُفَّيْنِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا ; مِنْ مَقْطُوعٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، مِمَّا يُجَاوِزُ الْكَعْبَيْنِ)

مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، يَقُومُ مَقَامَ الْخُفَّيْنِ فِي سَتْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِمْكَانِ الْمَشْيِ فِيهِ، وَثُبُوتِهِ بِنَفْسِهِ. وَالْمَقْطُوعُ هُوَ الْخُفُّ الْقَصِيرُ السَّاقِ ; وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، لَا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبَانِ ; لِكَوْنِهِ ضَيِّقًا أَوْ مَشْدُودًا، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَلَوْ كَانَ مَقْطُوعًا مِنْ دُونِ الْكَعْبَيْنِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.

وَهَذَا الصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ. وَحُكِيَ عَنْهُ، وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، جَوَازُ الْمَسْحِ ; لِأَنَّهُ خُفٌّ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ السَّاتِرَ، وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ، فَأَشْبَهَ اللَّالَكَةَ وَالنَّعْلَيْنِ.

(423) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ لِلْخُفِّ قَدَمٌ وَلَهُ شَرَجٌ مُحَاذٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ الشَّرَجُ مَشْدُودًا يَسْتُرُ الْقَدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَلَلٌ يَبِينُ مِنْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا يَجُوزُ، وَلَنَا أَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ ذِي الشَّرَجِ.

(424) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْخُفُّ مُحَرَّمًا ; كَالْقَصَبِ وَالْحَرِيرِ، لَمْ يُسْتَبَحْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت