فهرس الكتاب

الصفحة 3626 من 3896

يَنْدَرِئُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأَمْوَالِ ; لِخِفَّةِ حُكْمِهَا، وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِهَا، لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا، وَالِاحْتِيَاطِ فِي حِفْظِهَا، وَلِهَذَا زِيدَ فِي عَدَدِ شُهُودِ الزِّنَى عَلَى شُهُودِ الْمَالِ.

(8332) فَصْلٌ: وَفِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ ; قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْأَقَارِيرِ. وَالثَّانِي، لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ ; لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لَحَدِّ الزِّنَى، أَشْبَهَ فِعْلَهُ.

(8333) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا سِوَى الْأَمْوَالِ، مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ)

وَهَذَا الْقِسْمُ نَوْعَانِ ; أَحَدُهُمَا، الْعُقُوبَاتُ، وَهِيَ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَحَمَّادٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ; قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ.

وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مِمَّا يُحْتَاطُ لِدَرْئِهِ وَإِسْقَاطِهِ، وَلِهَذَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِهِ، وَفِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ شُبْهَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} . وَأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ. وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْمَالِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ. وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

وَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، مَا خَلَا الزِّنَى، إلَّا الْحَسَنَ ; فَإِنَّهُ قَالَ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْقَتْلِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى ; لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إتْلَافُ النَّفْسِ، فَأَشْبَهَ الزِّنَى. وَلَنَا، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَصْفِ لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ الزِّنَى الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ، وَلِأَنَّ حَدَّ الزِّنَى حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى يَقْبَلُ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ. وَيُعْتَبَرُ فِي شُهَدَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ، مَا يُعْتَبَرُ فِي شُهَدَاءِ الزِّنَى، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الثَّانِي، مَا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ كَالنِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالْإِيلَاءِ، وَالظِّهَارِ، وَالنَّسَبِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالْوَصِيَّةِ إلَيْهِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْكِتَابَةِ، وَأَشْبَاهِ هَذَا. فَقَالَ الْقَاضِي: الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِحَالٍ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْوَكَالَةِ: إنْ كَانَتْ بِمُطَالَبَةِ دَيْنٍ - يَعْنِي تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ - فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا.

وَوَجْهُ ذَلِكَ ; أَنَّ الْوَكَالَةَ فِي اقْتِضَاء الدَّيْنِ يُقْصَدُ مِنْهَا الْمَالُ، فَيُقْبَلُ فِيمَا شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، كَالْحَوَالَةِ. قَالَ الْقَاضِي: فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا، أَنَّ النِّكَاحَ وَحُقُوقَهُ، مِنْ الرَّجْعَةِ وَشِبْهِهَا، لَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَمَا عَدَاهُ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُخَرَّجُ فِي النِّكَاحِ وَالْعَتَاقِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، لَا تُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَرَبِيعَةَ، فِي الطَّلَاقِ. وَالثَّانِيَةُ، تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَيْنِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.

وَرُوِيَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ عَنْ عَطَاءٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت