الصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ: الْإِمْسَاكُ، يُقَالُ: صَامَ النَّهَارُ. إذَا وَقَفَ سَيْرُ الشَّمْسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مَرْيَمَ: {إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} . أَيْ صَمْتًا ; لِأَنَّهُ إمْسَاكٌ عَنْ الْكَلَامِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا
يَعْنِي بِالصَّائِمَةِ: الْمُمْسِكَةَ عَنْ الصَّهِيلِ. وَالصَّوْمُ فِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ الْإِمْسَاكِ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ ; أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ} . ذَكَرَ مِنْهَا صَوْمَ رَمَضَانَ، وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، {أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ ؟ قَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. قَالَ: وَاَلَّذِي أَكْرَمَك لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
(1998) فَصْلٌ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى} . فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ذَلِكَ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الشَّهْرِ، لِئَلَّا يُخَالِفَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ. وَالْمُسْتَحَبُّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: شَهْرُ رَمَضَانَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} .
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ سُمِّيَ رَمَضَانُ، فَرَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّمَا سُمِّيَ رَمَضَانَ ; لِأَنَّهُ يُحَرِّقُ الذُّنُوبَ} . فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ شُرِعَ صَوْمُهُ دُونَ غَيْرِهِ، لِيُوَافِقَ اسْمُهُ مَعْنَاهُ. وَقِيلَ: هُوَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى، كَسَائِرِ الشُّهُورِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.