فهرس الكتاب

الصفحة 3192 من 3896

أَمَّا إذَا غُلِيَ الْعَصِيرُ كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ، وَقَذَفَ بِزَبَدِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ وَإِنْ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يُغْلَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ حَرَامٌ.

وَقَالَ أَحْمَدُ: اشْرَبْهُ ثَلَاثًا، مَا لَمْ يُغْلَ، فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا تَشْرَبْهُ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يُغْلَ وَيُسْكِرْ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُسْكِرِ خَاصَّةً. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ، فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ، إلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى الْخَدَمُ، أَوْ يُهْرَاقُ} وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {اشْرَبُوا الْعَصِيرَ ثَلَاثًا، مَا لَمْ يُغْلَ} وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: اشْرَبْهُ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ شَيْطَانُهُ. قِيلَ: وَفِي كَمْ يَأْخُذُهُ شَيْطَانُهُ ؟ قَالَ: فِي ثَلَاثٍ وَلِأَنَّ الشِّدَّةَ تَحْصُلُ فِي الثَّلَاثِ غَالِبًا، وَهِيَ خَفِيَّةٌ تَحْتَاجُ إلَى ضَابِطٍ، فَجَازَ جَعْلُ الثَّلَاثِ ضَابِطًا لَهَا.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ إذَا لَمْ يُغْلَ مَكْرُوهًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ، فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَحْرِيمِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: أَكْرَهُهُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عِنْدِي أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ الْغَالِبُ أَنَّهُ يَتَخَمَّرُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامِ.

(7361) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ النَّبِيذُ)

يَعْنِي: أَنَّ النَّبِيذَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يُغْلَ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. وَالنَّبِيذُ: مَا يُلْقَى فِيهِ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ أَوْ نَحْوُهُمَا ; لِيَحْلُوَ بِهِ الْمَاءُ، وَتَذْهَبَ مُلُوحَتُهُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُغْلَ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ; لِمَا رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: {عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ، فَتَحَيَّنْت فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءٍ ثُمَّ أَتَيْته بِهِ، فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ. فَقَالَ: اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطِ ; فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ ذَلِكَ صَارَ مُسْكِرًا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.

(7362) فَصْلٌ: وَالْخَمْرُ نَجِسَةٌ. فِي قَوْلِ عَامَّة أَهْل الْعِلْمِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهَا لِعَيْنِهَا، فَكَانَتْ نَجِسَةً، كَالْخِنْزِيرِ. وَكُلُّ مُسْكِرٍ فَهُوَ حَرَامٌ، نَجِسٌ ; لِمَا ذَكَرْنَا.

(7363) فَصْلٌ: وَمَا طُبِخَ مِنْ الْعَصِيرِ وَالنَّبِيذِ قَبْلَ غَلَيَانِهِ، حَتَّى صَارَ غَيْرَ مُسْكِرٍ، كَالدِّبْسِ، وَرُبِّ الْخُرْنُوبِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُرَبَّيَاتِ وَالسُّكَّرِ، فَهُوَ مُبَاحٌ ; لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا ثَبَتَ فِي الْمُسْكِرِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، سَوَاءٌ ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ، أَوْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ شُرْبِ الطِّلَاءِ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. قِيلَ لِأَحْمَدْ: إنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ يُسْكِرُ. قَالَ: لَا يُسْكِرُ، وَلَوْ كَانَ يُسْكِرُ مَا أَحَلَّهُ عُمَرُ.

(7364) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّهُ لَا يُسْكِرُ، وَإِذَا تُرِكَ يَفْسُدُ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ، وَالْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، مَا لَمْ يَرِدْ بِتَحْرِيمِهَا حُجَّةٌ.

(7365) فَصْلٌ: وَيَحُوزُ الِانْتِبَاذُ فِي الْأَوْعِيَةِ كُلِّهَا. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ كَرِهَ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت