بِإِتْيَانِ بَيْتِ اللَّهِ فَرْضٌ، وَالْبِرَّ بِإِتْيَانِ هَذَيْنِ نَفْلٌ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.} وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، فَيَلْزَمُ الْمَشْيُ إلَيْهِ بِالنَّذْرِ، كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَهُ ; لِأَنَّ كُلَّ قُرْبَةٍ تَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْلُ فِي الْوُجُوبِ، كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَشُهُودِ الْجَنَائِزِ، وَيَلْزَمُهُ بِهَذَا النَّذْرِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَتَاهُ رَكْعَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنَّذْرِ الْقُرْبَةُ وَالطَّاعَةُ، وَإِنَّمَا تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نَذْرُهُ، كَمَا يَلْزَمُ نَاذِرَ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ، وَنَذْرُ الصَّلَاةِ فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ كَنَذْرِ الْمَشْيِ إلَيْهِ، كَمَا أَنَّ نَذْرَ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَنَذْرِ الْمَشْيِ إلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعٍ بِالنَّذْرِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ; أَوْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ مَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ ; بِدَلِيلِ نَذْرِ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، {إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْفِ بِنَذْرِك} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا ; بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ} . وَإِذَا كَانَ فَضِيلَةً وَقُرْبَةً، لَزِمَ بِالنَّذْرِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ طُولَ الْقِرَاءَةِ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِنَذْرِهَا، وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَهُمْ.
(8188) فَصْلٌ: وَإِذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لَمْ تُجْزِئْهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ وَخَيْرُهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَوَابًا لِلْمُصَلِّي فِيهَا. وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ; لِمَا رَوَى جَابِرٌ، أَنَّ {رَجُلًا يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْك أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: صَلِّ هَاهُنَا. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، قَالَ: صَلِّ هَاهُنَا. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: شَأْنُك} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ صَلَّيْت هَا هُنَا لَأَجْزَأَ عَنْك كُلَّ صَلَاةٍ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ} . وَإِنْ نَذَرَ إتْيَانَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَالصَّلَاةَ فِيهِ، أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَفِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ; لِأَنَّهُ أَفْضَلُ. وَإِنْ نَذَرَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، لَمْ يُجْزِئْهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ; لِأَنَّهُ مَفْضُولٌ. وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ.
(8189) فَصْلٌ: وَإِنْ أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا، وَجَبَ الْقَضَاءُ مَاشِيًا ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ. وَكَذَلِكَ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، لَكِنْ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، سَقَطَ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ، مِنْ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَالرَّمْيِ، وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، وَيَمْشِي بِالْحَجِّ الْفَاسِدِ مَاشِيًا، حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْهُ.
(8190) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى رَقَبَةً بِعَيْنِهَا)