فهرس الكتاب

الصفحة 3546 من 3896

إتْيَانَهُ لَزِمَهُ إتْيَانُهُ، لَزِمَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مَشْيٌ وَلَا رُكُوبٌ ; لِأَنَّهُ عَنَى ذَلِكَ بِنَذْرِهِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ، أَوْ يَذْهَبَ إلَيْهِ، لَزِمَهُ إتْيَانُهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّ مُجَرَّدَ إتْيَانِهِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَلَا طَاعَةٍ.

وَلَنَا ; أَنَّهُ عَلَّقَ نَذْرَهُ بِوُصُولِ الْبَيْتِ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ. وَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ أَوْ يَزُورَهُ ; لِأَنَّ الْحَجَّ يَحْصُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، غَيْرَ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ. لَزِمَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَسَقَطَ شَرْطُهُ. وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْبَيْتَ. يَقْتَضِي حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، وَشَرْطُ سُقُوطِ ذَلِكَ يُنَاقِضُ نَذْرَهُ، فَسَقَطَ حُكْمُهُ.

(8185) فَصْلٌ: إذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ، أَوْ بُقْعَةٍ مِنْهُ، كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَبِي قُبَيْسٍ، أَوْ مَوْضِعٍ فِي الْحَرَمِ، لَزِمَهُ الْحَجُّ أَوْ عُمْرَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَنْذُرَ الْمَشْيَ إلَى الْكَعْبَةِ، أَوْ إلَى مَكَّةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ إنَّ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْحَرَمِ، أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَقَوْلِنَا، وَفِي بَاقِي الصُّوَرِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَنَا، أَنَّهُ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ أَشْبَهَ النَّذْرَ إلَى مَكَّةَ.

فَأَمَّا إنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى غَيْرِ الْحَرَمِ، كَعَرَفَةَ، وَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ كَنَذْرِ الْمُبَاحِ. وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدٍ سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ. وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ، لَزِمَهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَشْيِ، فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَلَّى أَجْزَأَهُ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخُصُّ مَكَانًا دُونَ مَكَان، فَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَوْضِعِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إلَّا عَنْ اللَّيْثِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا بِمَوْضِعٍ، لَزِمَهُ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدٍ، مَشَى إلَيْهِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلَوْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدٍ بَعِيدٍ لَشَدَّ الرَّحْلَ إلَيْهِ ; وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان، فَلَا يَكُونُ فِعْلُهَا فِيمَا نَذَرَ فِعْلَهَا فِيهِ قُرْبَةً، فَلَا تَلْزَمُهُ بِنَذْرِهِ، وَفَارَقَ مَا لَوْ نَذَرَ الْعِبَادَةَ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ فِعْلُهَا فِيهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَيَّنَ لِعِبَادَتِهِ زَمَنًا وَوَقْتًا مُعَيَّنًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا مَكَانًا وَمَوْضِعًا، وَالنُّذُورُ مَرْدُودَةٌ إلَى أُصُولِهَا فِي الشَّرْعِ، فَتَعَيَّنَتْ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ.

(8186) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَلَمْ يَنْوِ بِهِ شَيْئًا، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ انْصَرَفَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ; لِأَنَّهُ الْمَخْصُوصُ بِالْقَصْدِ دُونَ غَيْرِهِ وَإِطْلَاقُ بَيْتِ اللَّهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فِي الْعُرْفِ، فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلَاقُ النَّذْرِ.

(8187) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَبِينُ لِي وُجُوبُ الْمَشْي إلَيْهِمَا ; لِأَنَّ الْبِرَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت