فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ يَتَبَاعَدْ حَيْضُهَا. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا.
(6325) فَصْلٌ: فِي عِدَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا حَيْضٌ مَحْكُومٌ بِهِ بِعَادَةٍ أَوْ تَمْيِيزٍ، أَوْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهَا حَيْضٌ مَحْكُومٌ بِهِ بِذَلِكَ، فَحُكْمُهَا فِيهِ حُكْمُ غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ، إذَا مَرَّتْ لَهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا. قَالَ أَحْمَدُ الْمُسْتَحَاضَةُ تَعْتَدُّ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَعْرِفُ. وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ لَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، وَلَمْ تَعْلَمْ مَوْضِعَهَا، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَإِنْ شَكَّتْ فِي شَيْءٍ، تَرَبَّصَتْ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّ الْقُرُوءَ الثَّلَاثَ قَدْ انْقَضَتْ. وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً لَا تَمْيِيزَ لَهَا، أَوْ نَاسِيَةً لَا تَعْرِفُ لَهَا وَقْتًا وَلَا تَمْيِيزًا، فَعَنْ أَحْمَدْ فِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَهُوَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ
لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَجْلِسَ فِي كُلّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، فَجَعَلَ لَهَا حَيْضَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ تَتْرُكُ فِيهَا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَيَثْبُتُ فِيهَا سَائِرُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ، فَيَجِبُ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَعْتَدُّ سَنَةً بِمَنْزِلَةِ مَنْ رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهَا. قَالَ أَحْمَدُ إذَا كَانَتْ قَدْ اخْتَلَطَتْ، وَلَمْ تَعْلَمْ إقْبَالَ الدَّمِ وَإِدْبَارَهُ، اعْتَدَّتْ سَنَةً ; لِحَدِيثِ عُمَرَ ; لِأَنَّ بِهِ يَتَبَيَّنُ الْحَمْلُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَإِسْحَاقَ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَيَقَّنْ لَهَا حَيْضًا، مَعَ أَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ، فَكَانَتْ عِدَّتُهَا سَنَةً، كَاَلَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّنَا مَتَى حَكَمْنَا بِأَنَّ حَيْضَهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَمَضَى لَهَا شَهْرَانِ بِالْهِلَالِ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الثَّالِثِ، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا. وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ. فَطَلَّقَهَا فِي آخِرِ شَهْرٍ، ثُمَّ مَرَّ لَهَا شَهْرَانِ وَهَلَّ الثَّالِثُ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
(6326) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ طَلَّقَهَا وَهِيَ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ حَتَّى حَاضَتْ، اسْتَقْبَلَتْ الْعِدَّةَ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَبِحَيْضَتَيْنِ إنْ كَانَتْ أَمَةً)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَمْ تَحِضْ أَوْ الْبَالِغَ الَّتِي لَمْ تَحِضْ إذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ، فَحَاضَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَلَوْ بِسَاعَةٍ، لَزِمَهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ. فِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّهُورَ بَدَلٌ عَنْ الْحَيْضِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُبْدَلُ بَطَلَ حُكْمُ الْبَدَلِ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ.
وَيَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْحَيْضُ. وَإِنْ قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ. فَهَلْ تَعْتَدُّ بِمَا مَضَى مِنْ الطُّهْرِ قَبْلَ الْحَيْضِ قُرْءًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، تَعْتَدُّ بِهِ ; لِأَنَّهُ طُهْرٌ انْتَقَلَتْ مِنْهُ إلَى حَيْضٍ، فَأَشْبَهَ الطُّهْرَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ. وَالثَّانِي، لَا تَعْتَدُّ بِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ. وَهَذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَيْضٌ، فَلَمْ يَكُنْ قُرْءًا.
فَأَمَّا إنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَهَا وَلَوْ بِلَحْظَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ ; لِأَنَّهُ مَعْنًى حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، كَاَلَّتِي حَاضَتْ