وَإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ، وَإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ، أَكْثَرَ مِنْ دُعَائِهَا إلَى حَجِّ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَيُكَلَّفُ وُجُوبَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبًا وَتَعَبًا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَرَاحَهُ مِنْهُ، مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَتَقْدِيمُ هَذَا عَلَى مَا مَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ دَاعِيَةٌ، بِغَيْرِ دَلِيلٍ، تَحَكُّمٌ لَا مَعْنَى لَهُ. وَإِذَا قَالَ: ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ يُرِيكَ اللَّهُ. فَلَهُ صَرْفُهُ فِي أَيِّ جِهَةٍ مِنْ جِهَات الْقُرَبِ، رَأَى وَضْعَهُ فِيهَا، عَمَلًا بِمُقْتَضَى وَصِيَّتِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْأَفْضَلُ صَرْفُهُ إلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِلَى مَحَارِمِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِلَى جِيرَانِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَجِبُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ رَدَّهُ إلَى اجْتِهَادِهِ فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَهَذَا أَحَظُّ. وَلَنَا، أَنَّهُ قَدْ يَرَى غَيْرَ هَذَا أَهَمَّ مِنْهُ وَأَصْلَحَ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالتَّحَكُّمِ. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي الْمَسَاكِينِ، وَلَهُ أَقَارِبُ مَحَاوِيجُ لَمْ يُوصِ لَهُمْ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَرِثُوا، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ. قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ النَّصْرَانِيِّ يُوصِي بِثُلُثِهِ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَيُعْطَى إخْوَتُهُ وَهُمْ فُقَرَاءُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُمْ أَحَقُّ، يُعْطَوْنَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَا يُزَادُونَ عَلَى ذَلِكَ. يَعْنِي لَا يُزَادُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى.
(4759) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا وَصَّى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِخَمْسِمِائَةٍ. فَمَا فَضَلَ رُدَّ فِي الْحَجِّ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ، وَجَبَ صَرْفُ جَمِيعِ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ ; لِأَنَّهُ وَصَّى بِجَمِيعِهِ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ فِيهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَصْرِفَ إلَى مَنْ يَحُجُّ أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَةِ الْمِثْلِ ; لِأَنَّهُ أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ عِوَضَ الْمِثْلِ، كَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ. ثُمَّ لَا يَخْلُو ; إمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْمِثْلِ لِحَجَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَيُصْرَفَ فِيهَا. أَوْ نَاقِصًا عَنْهَا، فَيُحَجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، فِي ظَاهِرِ مَنْصُوصِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فِي رَجُلٍ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، وَلَا تَبْلُغُ النَّفَقَةُ، فَقَالَ: يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ النَّفَقَةُ لِلرَّاكِبِ مِنْ أَهْلِ مَدِينَتِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الْعَنْبَرِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُعَنْ بِهِ فِي الْحَجِّ. وَهُوَ قَوْلُ سَوَّارٍ الْقَاضِي، حَكَاهُ عَنْهُ الْعَنْبَرِيُّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ. قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، فِي امْرَأَةٍ أَوْصَتْ بِحَجٍّ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا: أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ ثُلُثُ مَالِهَا، فَيُعَانَ بِهِ فِي الْحَجِّ، أَوْ يُحَجُّ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ. الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يَفْضُلَ عَنْ الْحَجَّةِ، فَيُدْفَعَ فِي حِجَّةٍ ثَانِيَةٍ، ثُمَّ فِي ثَالِثَةٍ، إلَى أَنْ يَنْفَدَ، أَوْ يَبْقَى مَا لَا يَبْلُغُ حِجَّةً، فَيُحَجُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ. وَلَا يَسْتَنِيبُ فِي الْحَجِّ مَعَ الْإِمْكَانِ إلَّا مِنْ بَلَدِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْمَيِّتِ، وَقَائِمٌ مَقَامَهُ، فَيَنُوبُ عَنْهُ مِنْ مَوْضِعٍ لَوْ حَجَّ الْمَنُوبُ عَنْهُ لَحَجَّ. مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ لَا يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا، فَإِنْ كَانَ فَرْضًا أُخِذَ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ الْقَدْرِ الْكَافِي لِحَجِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ أَكْثَرَ، أُخِذَ، ثُمَّ يُصْرَفُ مِنْهُ فِي الْفَرْضِ قَدْرُ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يُحَجُّ بِالْبَاقِي تَطَوُّعًا حَتَّى يَنْفُذَ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ