بِالرَّمْيِ، أَوْ بُنْدُقَانِيًّا لَا عَادَةَ لَهُ بِالرَّمْيِ بِشَيْءٍ سِوَاهُ، أَوْ يَرْمِي بِقَوْسٍ غَيْرِهِ لَا يَرْمِي بِسِوَاهُ، انْصَرَفْت الْوَصِيَّةُ إلَى الْقَوْسِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ عَادَةً ; لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُوصِي أَنَّهُ قَصَدَ نَفْعَهُ بِمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ. وَإِنْ انْتَفَتْ الْقَرَائِنُ، فَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّ لَهُ وَاحِدًا مِنْ جَمِيعِهَا بِالْقُرْعَةِ، أَوْ مَا يَخْتَارُهُ الْوَرَثَةُ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ لَا تَتَنَاوَلُ قَوْسَ النَّدْفِ، وَلَا الْبُنْدُقِ، وَلَا الْعَرَبِيَّةَ فِي بَلَدٍ لَا عَادَةَ لَهُمْ بِالرَّمْيِ بِهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْعَرَبِيَّةَ، وَيَكُونُ لَهُ وَاحِدٌ مِمَّا عَدَا هَذِهِ ; لِأَنَّ هَذِهِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْقَوْسِ فِي الْعَادَةِ بَيْنَ غَيْرِ أَهْلِهَا حَتَّى يَصِفَهَا، فَيَقُولَ: قَوْسُ الْقُطْنِ، أَوْ النَّدْفِ، أَوْ قَوْسُ الْبُنْدُقِ. وَأَمَّا الْعَرَبِيَّةُ فَلَا يَتَعَارَفُهَا غَيْرُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعَرَبِ، فَلَا يَخْطُرُ بِبَالِ الْمُوصِي غَالِبًا. وَيُعْطَى الْقَوْسَ مَعْمُولَةً ; لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى قَوْسًا إلَّا كَذَلِكَ. وَلَا يَسْتَحِقُّ وَتَرَهَا ; لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهَا دُونَهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُعْطَاهَا بِوَتَرِهَا ; لِأَنَّهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِهِ، فَكَانَ كَجُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا.
(4798) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِعُودٍ، وَلَهُ عُودُ لَهْوٍ وَغَيْرِهِ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَنْصَرِفُ إلَى عُودِ اللَّهْوِ، وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِعَدَمِ النَّفْعِ الْمُبَاحِ فِيهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا عِيدَانُ قِسِيٍّ، أَوْ عُودٌ يَتَبَحَّرُ بِهِ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْعِيدَانِ الْمُبَاحَةِ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، وَانْصَرَفَتْ إلَيْهَا ; لِعَدَمِ غَيْرِهَا، وَتَعَيُّنِهَا مَعَ إبَاحَتِهَا. وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِجَرَّةِ فِيهَا خَمْرٌ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِالْجَرَّةِ، وَبَطَلَتْ فِي الْخَمْرِ ; لِأَنَّ فِي الْجَرَّةِ نَفْعًا مُبَاحًا، وَالْخَمْرُ لَا نَفْعَ فِيهِ مُبَاحٌ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِمَا فِيهِ الْمَنْفَعَةُ الْمُبَاحَةُ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِخَمْرٍ وَخَلٍّ. وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِخَمْرٍ فِي جَرَّةٍ لَمْ تَصِحَّ ; لِأَنَّ الَّذِي أَضَافَ الْوَصِيَّةَ إلَيْهِ الْخَمْرُ، وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
(4799) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ، فَتَلِفَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ شَيْءٌ. وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ كُلُّهُ إلَّا الْمُوصَى بِهِ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ)
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِمَّنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ، عَلَى أَنَّ الْمُوصَى بِهِ إذَا تَلِفَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ. كَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، فَقَالَ: أَجْمَعَ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أُوصِيَ لَهُ بِشَيْءٍ، فَهَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فِي سَائِرِ مَالِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْوَصِيَّةِ لَا غَيْرُ، وَقَدْ تَعَلَّقَتْ بِمُعَيَّنٍ، وَقَدْ ذَهَبَ، فَذَهَبَ حَقُّهُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، وَالتَّرِكَةُ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ فِعْلِهِمْ، وَلَا تَفْرِيطِهِمْ، فَلَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا. وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ كُلُّهُ سِوَاهُ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ ; لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ لِتَعْيِينِهِ لِلْمُوصَى لَهُ، وَذَلِكَ يَمْلِكُ أَخْذَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ وَإِذْنِهِمْ، فَكَانَ حَقُّهُ فِيهِ دُونَ سَائِرِ الْمَالِ، وَحُقُوقُهُمْ فِي سَائِرِ الْمَالِ دُونَهُ، فَأَيُّهُمَا تَلِفَ حَقُّهُ لَمْ يُشَارِكْ الْآخَرَ فِي حَقِّهِ، كَمَا لَوْ كَانَ التَّلَفُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهُ الْمُوصَى لَهُ وَقَبَضَهُ، وَكَالْوَرَثَةِ إذَا اقْتَسَمُوا، ثُمَّ تَلِفَ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ خَلَّفَ مِائَتَيْ دِينَارٍ وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَوَصَّى لَرَجُلٍ بِالْعَبْدِ، فَسُرِقَتْ الدَّنَانِيرُ بَعْدَ الْمَوْتِ: فَالْعَبْدُ لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ.