وَتَأَخَّرْت الثَّالِثَةُ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى ; لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْحَالَيْنِ، فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً فَيَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ ثُمَّ يَكْمُلُ النِّصْفُ ; لِكَوْنِ الطَّلَاقِ لَا يَتَبَعَّضُ، فَيَقَعُ طَلْقَتَانِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَةٌ، وَتَتَأَخَّرَ اثْنَتَانِ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى ; لِأَنَّ الْبَعْضَ يَقَعُ عَلَى مَا دُونَ الْكُلِّ، وَيَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ مِنْ ذَلِكَ وَالْكَثِيرَ، فَيَقَعُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ; لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، فَيَتَأَخَّرُ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَقَعُ مِنْ كُلِّ طَلْقَةٍ بَعْضُهَا، ثُمَّ تَكْمُلُ، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ ؟ قُلْنَا: مَتَى أَمْكَنَتْ الْقِسْمَةُ مِنْ غَيْرِ تَكْسِيرٍ، وَجَبَ الْقِسْمَةُ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَإِنْ قَالَ: نِصْفُهُنَّ لِلسُّنَّةِ، وَنِصْفُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ. وَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَتَانِ، وَتَأَخَّرَتْ الثَّالِثَةُ. وَإِنْ قَالَ: طَلْقَتَانِ لِلسُّنَّةِ، وَوَاحِدَةٌ لِلْبِدْعَةِ، أَوْ طَلْقَتَانِ لِلْبِدْعَةِ، وَوَاحِدَةٌ لِلسُّنَّةِ. فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ. وَإِنْ أَطْلَقَ، ثُمَّ قَالَ: نَوَيْت ذَلِكَ. فَإِنْ فَسَّرَ نِيَّتَهُ بِمَا يُوقِعُ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ، قُبِلَ ; لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ. وَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا يُوقِعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَيُؤَخِّرُ اثْنَتَيْنِ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَظْهَرُهُمَا، أَنَّهُ يُقْبَلُ ; لِأَنَّ الْبَعْضَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَمَا فَسَّرَ كَلَامَهُ بِهِ لَا يُخَالِفُ الْحَقِيقَةَ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ. وَالثَّانِي، لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِأَخَفِّ مِمَّا يَلْزَمُهُ حَالَةَ الْإِطْلَاق. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوِ هَذَا.
فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، بَعْضُهَا لِلسُّنَّةِ. وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ، احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا لِلْبِدْعَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ إلَّا وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَ الْحَالَيْنِ، وَالْبَعْضُ لَا يَقْتَضِي النِّصْفَ، فَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ ; لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، وَالزَّائِدُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بَعْضُهَا لِلسُّنَّةِ وَبَاقِيهَا لِلْبِدْعَةِ، أَوْ سَائِرُهَا لِلْبِدْعَةِ.
(5828) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ. فَقَدِمَ وَهِيَ حَائِضٌ، طَلُقَتْ لِلْبِدْعَةِ، وَلَمْ يَأْثَمْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ لِلسُّنَّةِ. فَقَدِمَ فِي زَمَانِ السُّنَّةِ، طَلُقَتْ. وَإِنْ قَدِمَ فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ، لَمْ يَقَعْ، حَتَّى إذَا صَارَتْ إلَى زَمَانِ السُّنَّةِ وَقَعَ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ حِينَ قَدِمَ زَيْدٌ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ ; لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِقُدُومِ زَيْدٍ عَلَى صِفَةٍ، فَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَيْهَا. وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ. قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، طَلُقَتْ عِنْدَ قُدُومِهِ، حَائِضًا كَانَتْ أَوْ طَاهِرًا ; لِأَنَّهَا لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ. وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، وَهِيَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، طَلُقَتْ.
وَإِنْ قَدِمَ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَجِيءَ زَمَنُ السُّنَّةِ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ مِمَّنْ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ. وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ لِلسُّنَّةِ. فَكَانَ رَأْسُ الشَّهْرِ فِي زَمَانِ السُّنَّةِ، وَقَعَ، وَإِلَّا وَقَعَ إذَا جَاءَ زَمَانُ السُّنَّةِ.
(5829) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ قَالَ لَهَا، وَهِيَ حَائِضٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ. طَلُقَتْ مِنْ وَقْتِهَا ; لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ)
قَالَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ إنَّمَا هُوَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا، أَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَلَيْسَ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ، إلَّا فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا كَانَتْ