مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا
.وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَسْجُدُونَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ كُنْتُ تَارِكًا إحْدَاهُمَا لَتَرَكْتُ الْأُولَى. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأُولَى إخْبَارٌ، وَالثَّانِيَةَ أَمْرٌ، وَاتِّبَاعُ الْأَمْرِ أَوْلَى. وَذِكْرُ الرُّكُوعِ لَا يَقْتَضِي تَرْكَ السُّجُودِ، كَمَا ذُكِرَ الْبُكَاءُ فِي قَوْلِهِ {: خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} ، وَقَوْلِهِ: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} .
(860) فَصْلٌ: وَمَوَاضِعُ السُّجُودِ: آخِرُ الْأَعْرَافِ: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} ، وَفِي الرَّعْدِ {وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} ، وَفِي النَّحْلِ: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وَفِي بَنِي إسْرَائِيلَ: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} . وَفِي مَرْيَمَ: {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} وَفِي الْحَجِّ: {إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} وَقَوْلُهُ: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . وَفِي الْفُرْقَانِ: {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} . وَفِي النَّمْلِ: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} . وَفِي الم السَّجْدَةِ: {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} . وَفِي حم تَنْزِيلٌ: {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} . وَآخِرُ النَّجْمِ: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} . وَفِي الِانْشِقَاقِ: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} . وَآخِرُ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} .
وَقَالَ مَالِكٌ: السُّجُودُ فِي حم عِنْدَ: {إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ} . لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ هُنَاكَ فِيهَا. وَلَنَا، أَنَّ تَمَامَ الْكَلَامِ فِي الثَّانِيَةِ، فَكَانَ السُّجُودُ بَعْدَهَا، كَمَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وَذَكَرَ السُّجُودَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، كَذَا هَاهُنَا.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلسُّجُودِ مَا يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ ; مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَالنِّيَّةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحَائِضِ تَسْمَعُ السَّجْدَةَ، تُومِئُ بِرَأْسِهَا. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، قَالَ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ فِي مَنْ سَمِعَ السَّجْدَةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ يَسْجُدُ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ} . فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ السُّجُودُ. وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ فَيُشْتَرَطُ لَهُ ذَلِكَ، كَذَاتِ الرُّكُوعِ، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ ذَلِكَ كَسُجُودِ السَّهْوِ.
(862) فَصْلٌ: وَإِذَا سَمِعَ السَّجْدَةَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْوُضُوءُ وَلَا التَّيَمُّمُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: يَتَيَمَّمُ، وَيَسْجُدُ. وَعَنْهُ: يَتَوَضَّأُ، وَيَسْجُدُ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَنَا أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ، فَإِذَا فَاتَ لَمْ يَسْجُدْ كَمَا لَوْ قَرَأَ سَجْدَةً فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَسْجُدْ، فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ بَعْدَهَا.
(863) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فَعَلَيْهِ التَّكْبِيرُ لِلسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِهَا. وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالْحَسَنُ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ فِي صَلَاةٍ. وَاخْتُلِفَ عَنْهُ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ {: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ.} قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ الثَّوْرِيُّ يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: يُعْجِبُهُ لِأَنَّهُ كَبَّرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ مُنْفَرِدٌ،