كَحَامِلِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَةُ كَبِيرَةً لَا يُمْكِنُهُ جَرُّهَا، أَوْ الْحَيَوَانُ كَبِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى جَرِّهِ إذَا اسْتَعْصَى عَلَيْهِ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَتْبِعٍ لَهَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا إذَا كَانَ الشَّدُّ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ، فَإِنْ كَانَ مَشْدُودًا فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِمَا هُوَ مُلَاقٍ لِلنَّجَاسَةِ. وَالْأَوْلَى أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ مَا هُوَ مُلَاقٍ لِلنَّجَاسَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ سَفِينَةً عَظِيمَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ، أَوْ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ.
(956) فَصْلٌ: وَإِذَا حَمَلَ فِي الصَّلَاةِ حَيَوَانًا طَاهِرًا أَوْ صَبِيًّا، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ ابْنَةَ أَبِي الْعَاصِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَكِبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَلِأَنَّ مَا فِي الْحَيَوَانِ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي مَعِدَتِهِ، فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ فِي مَعِدَةِ الْمُصَلِّي، وَلَوْ حَمَلَ قَارُورَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ مَسْدُودَةً، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ; لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْهَا، فَهِيَ كَالْحَيَوَانِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا فِي كُمِّهِ.
اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَرُوِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ فِيهَا بِحَالٍ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَمِمَّنْ رَأَى أَنْ يُصَلَّى فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا يُصَلَّى فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ صَحِيحَةٌ مَا لَمْ تَكُنْ نَجِسَةً. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ {: جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا} وَفِي لَفْظٍ {فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ} . وَفِي لَفْظٍ {: أَيْنَمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا
، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ، فَصَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ، كَالصَّحْرَاءِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا خَاصٌّ مُقَدَّمٌ عَلَى عُمُومِ مَا رَوَوْهُ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ {، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنُصَلِّي فِي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَنُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ ؟ قَالَ: لَا} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنْ الشَّيَاطِينِ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي"مُسْنَدِهِ". وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَهَذَا خَاصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ مَا رَوَوْهُ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، رَوَاهُنَّ الْأَثْرَمُ.
فَأَمَّا الْحُشُّ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ فِيهِ بِالتَّنْبِيهِ ; لِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِكَوْنِهَا مَظَانَّ النَّجَاسَةِ، فَالْحُشُّ مُعَدٌّ لِلنَّجَاسَةِ وَمَقْصُودٌ لَهَا، فَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ فِيهِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ كَانَ الْمُصَلِّي عَالِمًا بِالنَّهْيِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِيهَا ; لِأَنَّهُ عَاصٍ بِصَلَاتِهِ فِيهَا، وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَكُونُ قُرْبَةً وَلَا طَاعَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا، لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ صَلَّى فِيمَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ مَعَ الْعِلْمِ، فَلَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ، كَالصَّلَاةِ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ.
وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.