فهرس الكتاب

الصفحة 664 من 3896

فَصْلٌ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِز، دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ أَفْرَدَ كُلَّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ جَازَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ مَعَ غَيْرِهِ} . وَقَالَ حَنْبَلٌ: صَلَّيْت مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى جِنَازَةِ امْرَأَةٍ مَنْفُوسَةٍ، فَصَلَّى أَبُو إِسْحَاقَ عَلَى الْأُمِّ، وَاسْتَأْمَرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: صَلِّ عَلَى ابْنَتِهَا الْمَوْلُودَةِ أَيْضًا ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَوْ أَنَّهُمَا وُضِعَا جَمِيعًا كَانَتْ صَلَاتُهُمَا وَاحِدَةً، تَصِيرُ إذَا كَانَتْ أُنْثَى عَنْ يَمِينِ الْمَرْأَةِ، وَإِذَا كَانَ ذَكَرًا عَنْ يَسَارِهَا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إفْرَادُ كُلِّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ أَفْضَلُ، مَا لَمْ يُرِيدُوا الْمُبَادَرَةَ.

وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، أَنَّهُ أَفْضَلُ فِي الْإِفْرَادِ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَالِ السَّلَفِ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ ذَلِكَ.

(1678) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ دُفِنُوا فِي قَبْرٍ يَكُونُ الرَّجُلُ مَا يَلِي الْقِبْلَةَ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ، وَالصَّبِيُّ خَلْفَهُمَا، وَيَجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزًا مِنْ تُرَابٍ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا دُفِنَ الْجَمَاعَةُ فِي الْقَبْرِ، قُدِّمَ الْأَفْضَلُ مِنْهُمْ إلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فِي الْفَضِيلَةِ، عَلَى حَسَبِ تَقْدِيمِهِمْ إلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءً، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذِهِ ; لِمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: {شُكِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِرَاحَاتُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا} . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزًا مِنْ التُّرَابِ، فَيَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مِثْلِ الْقَبْرِ الْمُنْفَرِدِ ; لِأَنَّ الْكَفَنَ حَائِلٌ غَيْرُ حَصِينٍ. قَالَ أَحْمَدُ: وَلَوْ جُعِلَ لَهُمْ شِبْهُ النَّهْرِ، وَجُعِلَ رَأْسُ أَحَدِهِمْ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ، وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ التُّرَابِ، لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. أَوْ كَمَا قَالَ.

(1679) فَصْلٌ: وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. قَالَ: أَمَّا فِي مِصْرٍ فَلَا، وَأَمَّا فِي بِلَادِ الرُّومِ فَتَكْثُرُ الْقَتْلَى، فَيَحْفِرُ شِبْهَ النَّهْرِ، رَأْسُ هَذَا عِنْدَ رِجْلِ هَذَا، وَيَجْعَلُ بَيْنهمَا حَاجِزًا، لَا يَلْتَزِقُ وَاحِدٌ بِالْآخَرِ.

وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ فِي الْغَالِبِ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَبْرٍ فِي الْمِصْرِ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ غَالِبًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِي مَوْضِعِ الْمُعْتَرَكِ. وَإِنْ وُجِدَتْ الضَّرُورَةُ جَازَ دَفْنُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، حَيْثُمَا كَانَ مِنْ مِصْرٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَإِنْ مَاتَ لَهُ أَقَارِبُ بَدَأَ بِمَنْ يَخَافُ تَغَيُّرَهُ، وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ بَدَأَ بِأَقْرَبِهِمْ إلَيْهِ، عَلَى تَرْتِيبِ النَّفَقَاتِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ قَدَّمَ أَنْسَبَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ.

(1680) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ مَاتَتْ نَصْرَانِيَّةٌ، وَهِيَ حَامِلَةٌ مِنْ مُسْلِمٍ، دُفِنَتْ بَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَةِ النَّصَارَى)

اخْتَارَ هَذَا أَحْمَدُ ; لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ، لَا تُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَتَأَذَّوْا بِعَذَابِهَا، وَلَا فِي مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ ; لِأَنَّ وَلَدَهَا مُسْلِمٌ فَيَتَأَذَّى بِعَذَابِهِمْ، وَتُدْفَنُ مُنْفَرِدَةً. مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهَا تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَانِبِهَا الْأَيْسَرِ، لِيَكُونَ وَجْهُ الْجَنِينِ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، لِأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ إلَى ظَهْرِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت