رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، حُرًّا أَوْ عَبْدًا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ ; لِأَنَّهُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ، وَلَا يَخْتَصُّ عَامِلُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَجِيرُ الْمُشَاهَرَةِ يَشْهَدُ الْأَعْيَادَ وَالْجُمُعَةَ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: فَيَتَطَوَّعُ بِالرَّكْعَتَيْنِ ؟ قَالَ: مَا لَمْ يَضُرّ بِصَاحِبِهِ. إنَّمَا أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْخِدْمَةِ، وَلِهَذَا وَقَعَتْ مُسْتَثْنَاةً فِي حَقِّ الْمُعْتَكِفِ بِتَرْكِ مُعْتَكَفِهِ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الْأَجِيرُ رَكَعَاتِ السُّنَّةِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَمَةَ وَالْحُرَّةَ لِلْخِدْمَةِ وَلَكِنْ يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ النَّظَرِ، لَيْسَتْ الْأَمَةُ مِثْلَ الْحُرَّةِ، وَلَا يَخْلُو مَعَهَا فِي بَيْتٍ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا مُتَجَرِّدَةً، وَلَا إلَى شَعْرِهَا. إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ حُكْمَ النَّظَرِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ كَحُكْمِهِ قَبْلَهَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ ; لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَهَا.
(4200) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا)
هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَالْبَتِّيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاللَّيْثُ: تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا ; لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ يَتَعَذَّرُ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ اسْتِيفَاءَهَا عَلَى مِلْكِ الْمُؤَجِّرِ، فَإِذَا مَاتَ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْعَيْنِ، فَانْتَقَلَتْ إلَى وَرَثَتِهِ، فَالْمَنَافِعُ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَأْجِرُ اسْتِيفَاءَهَا ; لِأَنَّهُ مَا عَقَدَ مَعَ الْوَارِثِ، وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ، لَمْ يُمْكِنْ إيجَابُ الْأَجْرِ فِي تَرِكَتِهِ
وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ، مَعَ سَلَامَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ مَاتَ. وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ; فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَدْ مَلَكَ الْمَنَافِعَ، وَمُلِكَتْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً فِي وَقْتِ الْعَقْدِ. ثُمَّ يَلْزَمُهُمْ مَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ مَاتَ. وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ وُجُوبُ الْأَجْرِ هَاهُنَا بِسَبَبٍ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ، فَوَجَبَ فِي تَرِكَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا، فَوَقَعَ فِيهَا شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، ضَمِنَهُ فِي مَالِهِ ; لِأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، كَذَا هَاهُنَا.
(4201) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ الْمُكْتَرِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ كَانَ غَائِبًا، كَمَنْ يَمُوتُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَيَخْلُفُ جَمَلَهُ الَّذِي اكْتَرَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَحْمِلُهُ، وَلَا وَارِثَ لَهُ حَاضِرٌ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ، يَمْنَعُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غُصِبَتْ، وَلِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقْدِ ضَرَرٌ فِي حَقِّ الْمُكْتَرِي وَالْمُكْرِي ; لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ، وَالْمُكْرِيَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ، مَعَ ظُهُورِ امْتِنَاعِ الْكِرَاءِ عَلَيْهِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ اكْتَرَى بَعِيرًا، فَمَاتَ الْمُكْتَرِي فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ رَجَعَ الْبَعِيرُ خَالِيًا، فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا وَجَبَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ثِقَلُهُ وَوِطَاؤُهُ، فَلَهُ الْكِرَاءُ إلَى الْمَوْضِعِ
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ حَكَمَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ، إذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ، وَلَمْ يَبْقَ بِهِ انْتِفَاعٌ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اكْتَرَى