فهرس الكتاب

الصفحة 1002 من 3896

هَذَا وَصْفُ السَّعْيِ، وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ الصَّفَا، فَيَمْشِيَ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ.

وَمَعْنَاهُ يُحَاذِي الْعَلَمَ، وَهُوَ الْمِيلُ الْأَخْضَرُ الْمُعَلَّقُ فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا كَانَ مِنْهُ نَحْوًا مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا، حَتَّى يُحَاذِيَ الْعَلَمَ الْآخَرَ، وَهُوَ الْمِيلَانِ الْأَخْضَرَانِ اللَّذَانِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِد، وَحِذَاءِ دَارِ الْعَبَّاس، ثُمَّ يَتْرُكُ السَّعْيَ، وَيَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ، فَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيَدْعُوَ بِمِثْلِ دُعَائِهِ عَلَى الصَّفَا.

وَمَا دَعَا بِهِ فَجَائِزٌ، وَلَيْسَ فِي الدُّعَاءِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ. ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى} . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً.

وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: ذَهَابُهُ وَرُجُوعُهُ سَعْيَةٌ. وَهَذَا غَلَطٌ ; لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ {فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ، رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إذَا صَعِدْنَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، قَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت، لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتهَا عُمْرَةً} .

وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ آخِرُ طَوَافِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عِنْدَ الصَّفَا، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ طَائِفٌ بِهِمَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَسِبَ بِذَلِكَ مَرَّةً، كَمَا أَنَّهُ إذَا طَافَ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ احْتَسَبَ بِهِ مَرَّةً.

(2479) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَفْتَتِحُ بِالصَّفَا، وَيَخْتَتِمُ بِالْمَرْوَةِ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ فِي السَّعْي، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأ بِالصَّفَا، فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ، فَإِذَا صَارَ عَلَى الصَّفَا اعْتَدَّ بِمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالصَّفَا، وَقَالَ: (نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ) .

وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} . فَبَدَأَ بِالصَّفَا، وَقَالَ: اتَّبِعُوا الْقُرْآنَ، فَمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَابْدَءُوا بِهِ.

(2480) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ نَسِيَ الرَّمَلَ فِي بَعْضِ سَعْيِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعَى، وَسَعَى أَصْحَابُهُ، فَرَوَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ، عَنْ أُمِّ وَلَدِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: {رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا يُقْطَعُ الْأَبْطَحُ إلَّا شَدًّا} . وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ ; فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: إنَّ أَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَدْ رَأَيْت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت