مَا ظَنَنْت أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ هَذَا. وَقَالَ: {صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ.} وَرَوَى أَنَسٌ قَالَ: {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْت: وَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ، قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ.} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد.
وَفِي مُسْلِمٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: {صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إنِّي رَأَيْتُك صَنَعْت شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، قَالَ: عَمْدًا صَنَعْته.}
(191) فَصْلٌ: وَتَجْدِيدُ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عِيسَى، وَنَقَلَ حَنْبَلُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ ; وَذَلِكَ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَعَنْ غُطَيْفٍ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: {رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَوْمًا تَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَقُلْت: أَصْلَحَك اللَّهُ، أَفَرِيضَةٌ أَمْ سُنَّةٌ، الْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ؟ فَقَالَ: لَا، لَوْ تَوَضَّأْت لِصَلَاةِ الصُّبْحِ لَصَلَّيْت بِهِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا مَا لَمْ أُحْدِثْ، وَلَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ. وَإِنَّمَا رَغِبْت فِي الْحَسَنَاتِ.} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَدْ نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَحْمَدَ: لَا فَضْلَ فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(192) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِوُضُوئِهِ، وَلَمْ يَبُلَّ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَبَاحَ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، مِنْهُمْ: ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: وَبِهِ نَقُولُ، إلَّا أَنْ يَبُلَّ مَكَانًا يَجْتَازُ النَّاسُ فِيهِ، فَإِنِّي أَكْرَهُهُ، إلَّا أَنْ يَفْحَصَ الْحَصَى عَنْ الْبَطْحَاءِ، كَمَا فُعِلَ لِعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ فَإِذَا تَوَضَّأَ رَدَّ الْحَصَى عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَكْرَهُهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَكْرَهُهُ ; صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ عَنْ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ فَضَلَاتِ الْوُضُوءِ.
رُوِيت الْكَرَاهِيَةُ لِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يَقْرَأُ إلَّا آيَةَ الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} ، {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا.} وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وِرْدَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، أَلَيْسَ هُوَ فِي جَوْفِهِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ لِلْحَائِضِ الْقِرَاءَةُ دُونَ الْجُنُبِ ; لِأَنَّ أَيَّامَهَا تَطُولُ، فَإِنْ مَنَعْنَاهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ نَسِيَتْ.
وَلَنَا: مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ، أَوْ قَالَ: يَحْجِزُهُ، عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، لَيْسَ الْجَنَابَةُ.} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ.} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: يَرْوِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ نَافِعٍ، وَقَدْ ضَعَّفَ، الْبُخَارِيُّ رِوَايَتَهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَقَالَ: إنَّمَا رِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْجُنُبِ فَفِي الْحَائِضِ أَوْلَى ; لِأَنَّ حَدَثَهَا آكَدُ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْوَطْءَ، وَمَنَعَ الصِّيَامَ، وَأَسْقَطَ الصَّلَاةَ، وَسَاوَاهَا فِي سَائِرِ أَحْكَامِهَا.
(194) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ قِرَاءَةُ آيَةٍ. فَأَمَّا بَعْضُ آيَةٍ ; فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ عَنْ غَيْرِهِ كَالتَّسْمِيَةِ،