فهرس الكتاب

الصفحة 816 من 3896

قَالَ عَلِيٌّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ: لَأَنْ أَصُمْ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنَّ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ. وَلِأَنَّ الصَّوْمَ يُحْتَاطُ لَهُ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الصَّوْمُ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُفْطَرْ إلَّا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ. فَأَمَّا خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَرْوِيه مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:"فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ"وَرِوَايَتُهُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، لِإِمَامَتِهِ، وَاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ، وَثِقَتِهِ، وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَذْهَبِهِ، وَلِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ.

وَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ:"فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ"مُخَالِفَةٌ لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَلِمَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ وَرَأْيِهِ. وَالنَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الشَّكِّ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الصَّحْوِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، أَوْ كَمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، أَوْ يَحُولُ دُونَ مَنْظَرِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ.

(2004) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُجْزِئُهُ صِيَامُ فَرْضٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ اللَّيْلِ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمٌ إلَّا بِنِيَّةٍ. إجْمَاعًا، فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ، كَالصَّلَاةِ، ثُمَّ إنْ كَانَ فَرْضًا كَصِيَامِ رَمَضَانَ فِي أَدَائِهِ أَوْ قَضَائِهِ، وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ، اُشْتُرِطَ أَنْ يَنْوِيَهُ مِنْ اللَّيْلِ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ صِيَامُ رَمَضَانَ وَكُلُّ صَوْمٍ مُتَعَيِّنٍ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ {: مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَكَانَ صَوْمًا وَاجِبًا مُتَعَيِّنًا، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ، فَهُوَ كَالتَّطَوُّعِ. وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {: مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ} . وَفِي لَفْظِ ابْنِ حَزْمٍ: {مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ.} أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ} ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَقَالَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ: رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ.

وَلِأَنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ، فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ، كَالْقَضَاءِ.

فَأَمَّا صَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَلَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُهُ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ {: هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يُبَحْ فِطْرُهُ، فَإِنَّمَا سُمِّيَ الْإِمْسَاكُ صِيَامًا تَجَوُّزًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:"وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ. وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُفْطِرِ بِالْأَكْلِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا: أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ {أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ} ."

وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ بَعْدَ الْأَكْلِ لَيْسَ بِصِيَامٍ شَرْعِيٍّ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صِيَامًا تَجُوزَا. ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ صِيَامٌ فَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ رَمَضَانَ، أَنَّ وُجُوبَ الصِّيَامِ تَجَدَّدَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَأَجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ حِينَ تَجَدَّدَ الْوُجُوبُ، كَمَنْ كَانَ صَائِمًا تَطَوُّعًا، فَنَذَرَ إتْمَامَ صَوْمِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ، فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّتُهُ عِنْدَ نَذْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النَّذْرُ مُتَقَدِّمًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ التَّطَوُّعَ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ، بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُفْطِرَاتِ فِي أَوَّلِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ عَاشُورَاءَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت