الصِّيَامَ نَوْعُ تَكْفِيرٍ، فَجَازَ قَبْلَ الْحِنْثِ، كَالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، وَقِيَاسُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْكَفَّارَةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ بِأَصْلِ الْوَضْعِ.
(7991) فَصْلٌ: فَأَمَّا التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْيَمِينِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ قَبْلَ الْجَرْحِ.
(7992) فَصْلٌ وَالتَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: بَعْدَهُ أَفْضَلُ عِنْدَ أَحْمَدَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ ; لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَحُصُولِ الْيَقِينِ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. وَلَنَا، أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِيهِ، فِيهَا التَّقْدِيمُ مَرَّةً وَالتَّأْخِيرُ أُخْرَى، وَهَذَا دَلِيلُ التَّسْوِيَةِ، وَلِأَنَّهُ تَعْجِيلُ مَالٍ يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يَكُنْ التَّأْخِيرُ أَفْضَلَ، كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِتَعْجِيلِ النَّفْعِ لِلْفُقَرَاءِ، وَالتَّبَرُّعِ بِمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَنَّ الْخِلَافَ الْمُخَالِفَ لِلنُّصُوصِ لَا يُوجِبُ تَفْضِيلَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، كَتَرْكِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ.
(7993) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ مَحْظُورًا، فَعَجَّلَ الْكَفَّارَةَ قَبْلَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَجَّلَ أَحَدَهُمَا تُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ عَجَّلَ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ سَبَبَهَا، فَأَجْزَأَتْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْحِنْثُ مُبَاحًا. وَالثَّانِي، لَا تُجْزِئُهُ ; لِأَنَّ التَّعْجِيلَ رُخْصَةٌ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِالْمَعْصِيَةِ ; كَالْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْحَدِيثُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَعْصِيَةَ ; فَإِنَّهُ قَالَ: {إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ} . وَهَذَا لَمْ يَرَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ، كَمَا ذَكَرْنَا.
(7994) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى. فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. مَعَ يَمِينِهِ، فَهَذَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {: مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَدْ اسْتَثْنَى} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً، وَأَنَّهُ مَتَى اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ لِمَ يَحْنَثْ فِيهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى أَبُو دَاوُد: {مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ} وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ، بِحَيْثُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ، وَلَا يَسْكُتُ بَيْنَهُمَا سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، فَأَمَّا السُّكُوتُ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ أَوْ صَوْتِهِ، أَوْ عَيٍّ، أَوْ عَارِضٍ، مِنْ عَطْسَةٍ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِهَا، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَثُبُوتَ حُكْمِهِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ الرَّأْيِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى} وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَقِيبَهُ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، فَاعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ بِهِ، كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ، وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ،