وَلَا فَرْضَ فِي الْبَقَرِ غَيْرُهُمَا، وَبِمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ بِحِسَابِهِ، فِي كُلِّ بَقَرَةٍ رُبْعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ. فِرَارًا مِنْ جَعْلِ الْوَقْصِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ أَوْقَاصِهَا، فَإِنَّ جَمِيعَ أَوْقَاصِهَا عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ.
وَلَنَا، حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: {فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ ; وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ} . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِهَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ، وَلِأَنَّ الْبَقَرَ أَحَدُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلَا يَجُوزُ فِي زَكَاتِهَا كَسْرٌ كَسَائِرِ الْأَنْوَاعِ، وَلَا يُنْقَلُ مِنْ فَرْضٍ فِيهَا إلَى فَرْضٍ بِغَيْرِ وَقْصٍ، كَسَائِرِ الْفُرُوضِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ لَا يَتِمُّ بِهَا أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ، كَمَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ، وَمَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَمُخَالَفَةُ قَوْلِهِمْ لِلْأُصُولِ أَشَدُّ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَعَلَى أَنَّ أَوْقَاصَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ مُخْتَلِفَةٌ، فَجَازَ الِاخْتِلَافُ هَاهُنَا.
(1709) فَصْلٌ: وَإِذَا رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ بِإِعْطَاءِ الْمُسِنَّةِ عَنْ التَّبِيعِ، وَالتَّبِيعَيْنِ عَنْ الْمُسِنَّةِ، أَوْ أَخْرَجَ أَكْثَرَ مِنْهَا سِنًّا عَنْهَا، جَازَ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْجُبْرَانِ فِيهَا، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ.
(1710) فَصْلٌ: وَلَا يُخْرَجُ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ أَصْلًا إلَّا فِي الْبَقَرِ، فَإِنَّ ابْنَ اللَّبُونِ لَيْسَ بِأَصْلٍ، إنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْ ابْنَةِ مَخَاضٍ، وَلِهَذَا لَا يُجْزِئُ مَعَ وُجُودِهَا، وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الْبَقَرِ عَنْ الثَّلَاثِينَ، وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا، كَالسِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَمَا تَرَكَّبَ مِنْ الثَّلَاثِينَ وَغَيْرِهَا، كَالسَّبْعِينَ، فِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ، وَالْمِائَةُ فِيهَا مُسِنَّةٌ وَتَبِيعَانِ. وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ مَكَانَ الذُّكُورِ إنَاثًا ; لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِهِمَا جَمِيعًا، فَأَمَّا الْأَرْبَعُونَ وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالثَّمَانِينَ، فَلَا يُجْزِئُ فِي فَرْضِهَا إلَّا الْإِنَاثُ، إلَّا أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الْمُسِنَّةِ تَبِيعِينَ، فَيَجُوزُ.
وَإِذَا بَلَغْت الْبَقَرُ مِائَةً وَعِشْرِينَ، اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ جَمِيعًا، فَيُخَيَّرُ رَبُّ الْمَالِ بَيْنَ إخْرَاجِ ثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ، أَوْ أَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ، وَالْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا، أَيَّهُمَا شَاءَ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ، وَالْخِيَرَةُ فِي الْإِخْرَاجِ إلَى رَبِّ الْمَالِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِيمَا إذَا كَانَ فِيهَا إنَاثٌ، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ذُكُورًا، أَجْزَأَ الذَّكَرُ فِيهَا بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلَّفُ الْمُوَاسَاةَ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا إنَاثٌ فِي الْأَرْبَعِينِيَّات ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى الْمُسِنَّاتِ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُ مَوْرِدِهِ، فَيُكَلَّفُ شِرَاءَهَا، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَاشِيَتِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا دُونَهَا فِي السِّنِّ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّنَا أَخَّرْنَا الذَّكَرَ فِي الْغَنَمِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي زَكَاتِهَا مَعَ وُجُودِ الْإِنَاثِ، فَالْبَقَرُ الَّتِي لِلذَّكَرِ فِيهَا مَدْخَلٌ أَوْلَى ; لِأَنَّ لِلذَّكَرِ فِيهَا مَدْخَلًا.
(1711) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْجَوَامِيسُ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبَقَرِ)
لَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا، وَلِأَنَّ الْجَوَامِيسَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَقَرِ، كَمَا أَنَّ الْبَخَاتِيَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِبِلِ، فَإِذَا اتَّفَقَ فِي الْمَالِ جَوَامِيسُ وَصِنْفٌ آخَرُ مِنْ الْبَقَرِ، أَوْ بَخَاتِيٌّ وَعِرَابٌ، أَوْ مَعْزٌ وَضَأْنٌ، كَمَّلَ نِصَابَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَأَخَذَ الْفَرْضَ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ. عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.