قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ; لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ. قُلْنَا: هَذَا تَخْصِيصٌ لَا مُعَارِضٌ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي التَّخْصِيصِ كَوْنُ الْمُخَصَّصِ فِي رُتْبَةِ الْمُخَصِّصِ ; بِدَلِيلِ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْكِتَابِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ:"وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ ؟"فَحَدِيثٌ طَوِيلٌ، يَرْوِيهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ، يَنْفَرِدُ بِهِ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَلِأَنَّ الضَّبُعَ قَدْ قِيلَ: إنَّهَا لَيْسَ لَهَا نَابٌ. وَسَمِعْت مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ جَمِيعَ أَسْنَانِهَا عَظْمٌ وَاحِدٌ كَصَفْحَةِ نَعْلِ الْفَرَسِ. فَعَلَى هَذَا لَا تَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(7823) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ التِّرْيَاقُ ; لِأَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ لُحُومُ الْحَيَّاتِ)
التِّرْيَاقُ: دَوَاءٌ يُتَعَالَجُ بِهِ مِنْ السُّمِّ، وَيُجْعَلُ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ، فَلَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَلَا شُرْبُهُ ; لِأَنَّ لَحْمَ الْحَيَّةِ حَرَامٌ. وَمِمَّنْ كَرِهَهُ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ. وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ ; لِأَنَّهُ يَرَى إبَاحَةَ لُحُومِ الْحَيَّاتِ. وَيَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِإِبَاحَتِهِ التَّدَاوِيَ بِبَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَلَنَا أَنَّ لَحْمَ الْحَيَّاتِ حَرَامٌ، بِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى. وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِمُحَرَّمٍ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا.}
(7824) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِمُحَرَّمٍ، وَلَا بِشَيْءٍ فِيهِ مُحَرَّمٌ، مِثْلِ أَلْبَانِ الْأُتُنِ، وَلَحْمِ شَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا شُرْبِ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي بِهِ ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ ; وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُكِرَ لَهُ النَّبِيذُ يُصْنَعُ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ {: إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ} .
(7825) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَكْلُ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي فِيهَا الدُّودُ وَالسُّوسُ، كَالْفَوَاكِهِ، وَالْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْحُبُوبِ، وَالْخَلِّ إذَا لَمْ تَقْذَرْهُ نَفْسُهُ، وَطَابَتْ بِهِ ; لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ. وَيَجُوزُ أَكْلُ الْعَسَلِ بِقَشِّهِ وَفِيهِ فِرَاخٌ ; لِذَلِكَ، وَإِنْ نَقَّاهُ فَحَسَنٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أُتِيَ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ، فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ، وَيُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ، وَيُنَقِّيهِ. وَهَذَا أَحْسَنُ.
(7826) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ إذَا رُمِيَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ إذَا عُلِمَ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ)
إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مَا قَتَلَهُ السُّمُّ مُحَرَّمٌ، وَمَا قَتَلَهُ السَّهْمُ وَحْدَهُ مُبَاحٌ، فَإِذَا مَاتَ بِسَبَبٍ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ، حَرُمَ، كَمَا لَوْ مَاتَ بِرَمْيَةِ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ، أَوْ قَتَلَ الصَّيْدَ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ وَغَيْرُهُ، أَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا لَا يَعْرِفُ، أَوْ رَمَى صَيْدًا بِسَهْمٍ، فَوَجَدَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ السُّمَّ لَمْ يُعِنْ عَلَى قَتْلِهِ ; لِكَوْنِ السَّهْمِ أَوْحَى مِنْهُ، فَهُوَ مُبَاحٌ، لِانْتِفَاءِ الْمُحَرِّمِ.
(7827) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَا كَانَ مَأْوَاهُ الْبَحْرُ، وَهُوَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ، لَمْ يُؤْكَلْ إذَا مَاتَ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ)
كُلُّ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ، لَا يَحِلُّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، كَطَيْرِ الْمَاءِ، وَالسُّلَحْفَاةِ، وَكَلْبِ الْمَاءِ، إلَّا مَا لَا دَمَ فِيهِ، كَالسَّرَطَانِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: السَّرَطَانُ لَا بَأْسَ بِهِ. قِيلَ لَهُ: يُذْبَحُ ؟ قَالَ: لَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَ الذَّبْحِ إنَّمَا هُوَ إخْرَاجُ الدَّمِ مِنْهُ، وَتَطْيِيبُ اللَّحْمِ بِإِزَالَتِهِ عَنْهُ، فَمَا لَا دَمَ فِيهِ، لَا حَاجَةَ إلَى ذَبْحِهِ. وَأَمَّا سَائِرُ مَا ذَكَرْنَا، فَلَا يَحِلُّ إلَّا أَنْ يُذْبَحَ. قَالَ أَحْمَدُ: كَلْبُ الْمَاءِ يَذْبَحُهُ، وَلَا