فهرس الكتاب

الصفحة 3458 من 3896

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: قَالَتْ مَوْلَاتِي لَيْلَى بِنْتُ الْعَجْمَاءِ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا مُحَرَّرٌ، وَكُلُّ مَالٍ لَهَا هَدْيٌ، وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ إنْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَك وَبَيْنَ امْرَأَتِك. قَالَ: فَأَتَيْت زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، ثُمَّ أَتَيْت حَفْصَةَ. إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَتَيْت ابْنَ عُمَرَ، فَجَاءَ مَعِي إلَيْهَا، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَمِنْ حِجَارَةٍ أَنْتِ أَمْ مِنْ حَدِيدٍ ؟ أَفْتَتْكِ زَيْنَبُ، وَأَفْتَتْكِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، كَفِّرِي عَنْ يَمِينِك، وَخَلِّي بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالْجُوزَجَانِيُّ مُطَوَّلًا.

وَلَنَا، أَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى شَرْطٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيقِ، فَيَقَعُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ، كَالطَّلَاقِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالطَّلَاقِ، وَالْعِتْقُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ بِيَمِينٍ فِي الْحَقِيقَةِ، إنَّمَا هُوَ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ. فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ فِيهِ: كَفِّرِي يَمِينَك، وَأَعْتِقِي جَارِيَتَك. وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَمْلُوكٌ سِوَاهَا.

(7986) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ عَبْدِي أَوْ أُحَرِّرَهُ. أَوْ نَحْوَ هَذَا، لَمْ يُعْتَقْ بِحِنْثِهِ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ ; لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُعَلِّقْ عِتْقَ الْعَبْدِ، إنَّمَا حَلَفَ عَلَى تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِشَرْطٍ، بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ.

(7987) فَصْلٌ: وَإِذَا حَنِثَ، عَتَقَ عَلَيْهِ عَبِيدُهُ، وَإِمَاؤُهُ، وَمُدَبَّرُوهُ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ، وَمُكَاتَبُوهُ، وَالْأَشْقَاصُ الَّتِي يَمْلِكُهَا مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ; لَا يَعْتِقُ الشِّقْصُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ. وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الشِّقْصَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَبْدِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ، وَإِسْحَاقُ: لَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي اسْمِ مَمَالِيكِهِ، كَالْحُرِّ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: سَمَاعِي مِنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يَعْتِقُ.

وَلَنَا، أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ، فَيَعْتِقُ، كَالْمُدَبَّرِ ; وَدَلِيلُ كَوْنِهِ مَمْلُوكَهُ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ} . وَقَوْلُهُ لِعَائِشَةَ: {اشْتَرِي بَرِيرَةَ، وَأَعْتِقِيهَا} وَكَانَتْ مُكَاتَبَةً، وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ وَلَا عِتْقُهُ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إعْتَاقُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إعْتَاقُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ، فَدَخَلَ فِي الْعِتْقِ بِالتَّعْلِيقِ، كَسَائِرِ عَبِيدِهِ. وَأَمَّا الشِّقْصُ، فَإِنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ، قَابِلٌ لِلتَّحْرِيرِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ لَفْظِهِ.

(7988) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ. ثُمَّ دَخَلَهَا، لَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِإِعْتَاقِهِ نَاجِزًا، فَلَا يَعْتِقُ بِالتَّعْلِيقِ أَوْلَى. وَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ; إحْدَاهُمَا ; عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ; لِأَنَّهُ حَلَفَ بِالْعِتْقِ فِيمَا لَا يَقَعُ بِالْحِنْثِ، فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ فُلَانًا. وَالثَّانِيَةُ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ حَلَفَ بِإِخْرَاجِ مَالِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَالُ فُلَانٍ صَدَقَةٌ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ. وَلِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى صِفَةٍ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةٌ، كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ.

وَأَمَّا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ عَبْدًا. فَإِنَّهُ نَذْرٌ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ ; لِكَوْنِ النَّذْرِ كَالْيَمِينِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى صِفَةٍ، فَوُجُودُ الصِّفَةِ أَثَّرَ فِي جَعْلِ الْمُعَلَّقِ كَالْمُنْجَزِ، وَلَوْ نَجَزَ الْعِتْقُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.

(7989) فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَمَالُ فُلَانٍ صَدَقَةٌ، أَوْ فَعَلَى فُلَانٍ حِجَّةٌ، أَوْ فَمَالُ فُلَانٍ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ. وَأَشْبَاهَ هَذَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَمِينٍ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ. وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِيهِ بِكَفَّارَةٍ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ.

(7990) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ صَوْمًا، أَوْ غَيْرَهُ، إلَّا فِي الظِّهَارِ وَالْحَرَامِ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ)

الظِّهَارُ وَالْحَرَامُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا عَطَفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فِيمَا عَلِمْنَاهُ، فِي وُجُوبِ تَقْدِيمِ كَفَّارَتِهِ عَلَى الْوَطْءِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} . فَأَمَّا كَفَّارَةُ سَائِرِ الْأَيْمَانِ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ، صَوْمًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ جَوَازُ تَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَرَبِيعَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ ; لِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت