طَلْقَتَانِ إنْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ; لِأَنَّهُ فِي حَالِ الطَّلَاقِ حُرٌّ فَاعْتُبِرَ حَالُهُ حِينَئِذٍ كَمَا يُعْتَبَرُ حَالُ الْمَرْأَةِ فِي الْعِدَّةِ حِينَ وُجُودِهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حُرٌّ كَافِرٌ فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ ثُمَّ أَسْلَمَا جَمِيعًا لَمْ يَمْلِكْ إلَّا طَلَاقَ الْعَبِيدِ اعْتِبَارًا بِحَالِهِ حِينَ الطَّلَاقِ
وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي كُفْرِهِ وَاحِدَةً وَرَاجَعَهَا ثُمَّ سُبِيَ وَاسْتُرِقَّ لَمْ يَمْلِكْ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي كُفْرِهِ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ اُسْتُرِقَّ وَأَرَادَ التَّزَوُّجَ بِهَا جَازَ وَلَهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ الطَّلْقَتَيْنِ وَقَعَتَا غَيْرَ مُحَرِّمَتَيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ حُكْمُهُمَا بِمَا يَطْرَأُ بَعْدَهُمَا كَمَا أَنَّ الطَّلْقَتَيْنِ مِنْ الْعَبْدِ لَمَّا أَنَّ وَقَعَتَا مُحَرِّمَتَيْنِ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ بَعْدَهُمَا.
(6060) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ طَلُقَتْ بِثَلَاثٍ)
نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: تَقَعُ طَلْقَتَانِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَنْصَافٍ مِنْ طَلْقَتَيْنِ وَذَلِكَ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ ثُمَّ تَكْمُلُ فَتَصِيرُ طَلْقَتَيْنِ وَقِيلَ: بَلْ ثَلَاثٌ ; لِأَنَّ النِّصْفَ الثَّالِثَ مِنْ طَلْقَتَيْنِ مُحَالٌ وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ وَلَنَا أَنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْنِ طَلْقَةٌ وَقَدْ أَوْقَعَهُ ثَلَاثًا فَيَقَعُ ثَلَاثًا كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ، وَقَوْلُهُمْ: مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَنْصَافٍ مِنْ طَلْقَتَيْنِ تَأْوِيلٌ يُخَالِفُهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَتَيْنِ مُخَالِفَةً لِثَلَاثَةِ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مُحَالٌ قُلْنَا: وُقُوعُ نِصْفِ الطَّلْقَتَيْنِ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَيْسَ بِمُحَالِ فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ.
(6061) فَصْلٌ:، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِلْءَ الدُّنْيَا وَنَوَى الثَّلَاثَ وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِلْءَ الْبَيْتِ: فَإِنْ أَرَادَ الْغِلْظَةَ عَلَيْهَا - يَعْنِي يُرِيدُ أَنْ تَبِينَ مِنْهُ - فَهِيَ ثَلَاثٌ فَاعْتَبَرَ نِيَّتَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ يَقَعُ وَاحِدَةٌ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَقْتَضِي عَدَدًا وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا أَنَّ الْوَاحِدَةَ إذَا وَقَعَتْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: تَكُونُ بَائِنًا ; لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ هُوَ الْبَيْنُونَةُ.
وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ وَلَا عِوَضٍ فَكَانَ رَجْعِيًّا كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ حُكْمٌ فَإِذَا ثَبَتَ ثَبَتَ فِي الدُّنْيَا كُلِّهَا فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ زِيَادَةً، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَشَدَّ الطَّلَاقِ أَوْ أَغْلَظَهُ أَوْ أَطْوَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَعْرَضَهُ أَوْ أَقْصَرَهُ أَوْ مِثْلَ الْجَبَلِ أَوْ مِثْلَ عِظَمِ الْجَبَلِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَمِيعِهَا: يَقَعُ بَائِنًا وَقَالَ صَاحِبَاهُ: إنْ قَالَ: مِثْلَ الْجَبَلِ كَانَتْ رَجْعِيَّةً وَإِنْ قَالَ: مِثْلَ عِظَمِ الْجَبَلِ كَانَتْ بَائِنًا
وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إيقَاعَ الْبَيْنُونَةِ، فَإِنَّهَا حُكْمٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِأَسْبَابٍ مُعَيَّنَةٍ كَالْخَلْعِ وَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ سَبَبِهَا فَيَثْبُتُ وَإِنْ أَرَادَ إثْبَاتَهَا بِدُونِ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا وَأَغْلَظَ ; لِتَعَجُّلِهِمَا أَوْ لِحُبِّ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ وَمَشَقَّةِ فِرَاقِهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقَعْ أَمْرٌ زَائِدٌ بِالشَّكِّ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَقْصَى الطَّلَاقِ أَوْ أَكْبَرَهُ