فهرس الكتاب

الصفحة 2971 من 3896

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَقْتُولِ سَاقِطٌ، لَا يَضْمَنُهُ أَحَدٌ ; لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي إتْلَافِ حَقِّهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا قَابَلَ فِعْلَهُ، كَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ بَهِيمَتِهِ أَوْ عَبْدِهِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي"الْمُجَرَّدِ"، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

الثَّالِثُ: أَنْ يُلْغَى فِعْلُ الْمَقْتُولِ فِي نَفْسِهِ، وَتَجِبَ دِيَتُهُ بِكَمَالِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِينَ نِصْفَيْنِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُتَصَادِمَيْنِ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَحْسَنُ، وَأَصَحُّ فِي النَّظَرِ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَارِضَةِ وَالْقَابِضَةِ وَالْوَاقِصَةِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعْنَ فَأَرِنَّ، فَرَكِبَتْ إحْدَاهُنَّ عَلَى عُنُقِ أُخْرَى، وَقَرَصَتْ الثَّالِثَةُ الْمَرْكُوبَةَ، فَقَمَصَتْ، فَسَقَطَتْ الرَّاكِبَةُ، فَوُقِصَتْ عُنُقُهَا، فَمَاتَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَضَى بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا عَلَى عَوَاقِلِهِنَّ، وَأَلْغَى الثُّلُثَ الَّذِي قَابَلَ فِعْلَ الْوَاقِصَةِ ; لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهَا. وَهَذِهِ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَتِنَا، وَلِأَنَّ الْمَقْتُولَ مُشَارِكٌ فِي الْقَتْلِ، فَلَمْ تَكْمُلْ الدِّيَةُ عَلَى شَرِيكَيْهِ، كَمَا لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِهِمْ.

وَإِنْ رَجَعَ الْحَجَرُ، فَقَتَلَ اثْنَيْنِ مِنْ الرُّمَاةِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، تَجِبُ دِيَتُهُمَا عَلَى عَوَاقِلِهِمَا أَثْلَاثًا، وَعَلَى كُلّ وَاحِدٍ كَفَّارَتَانِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَيِّ مِنْهُمْ، لِكُلِّ مَيِّتٍ ثُلُثُ دِيَتِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَيِّتَيْنِ ثُلُثُ دِيَةِ صَاحِبِهِ، وَيُلْغَى فِعْلُهُ فِي نَفْسِهِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ، عَلَى عَاقِلَةِ الْحَيِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَيِّتَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَيَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَيِّتَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِصَاحِبِهِ.

(6867) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ)

هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْهُمْ، يَكُونُ فِعْلُ الْمَقْتُولِ فِي نَفْسِهِ هَدَرًا ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ شَيْءٌ، وَيَكُونُ بَاقِي الدِّيَةِ فِي أَمْوَالِ شُرَكَائِهِ حَالًّا ; لِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الدِّيَاتِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَهَذَا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ; لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ، وَالْقَدْرُ اللَّازِمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ دُونَ الثُّلُثِ.

وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا ; لِأَنَّ الْجِنَايَةَ فِعْلٌ وَاحِدٌ، أَوْجَبَ دِيَةً تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ. وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَخْتَصُّ بِمُوجَبِ فِعْلِهِ دُونَ فِعْلِ شُرَكَائِهِ، وَحَمْلُ الْعَاقِلَةِ إنَّمَا شُرِعَ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ الْجَانِي فِيمَا يَشُقُّ وَيَثْقُلُ، وَمَا دُونَ الثُّلُثِ يَسِيرٌ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ، وَاَلَّذِي يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ. قُلْنَا: بَلْ هِيَ أَفْعَالٌ ; لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ فِعْلِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا مُوجِبُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ كُلُّ وَاحِدٍ جُرْحًا فَاتَتْ النَّفْسُ بِجَمِيعِهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ مَدَّ الْحِبَالَ، وَرَمَى الْحَجَرَ دُونَ مَنْ وَضَعَهُ فِي الْكِفَّةِ، وَأَمْسَكَ الْخَشَبَةَ، اعْتِبَارًا بِالْمُبَاشِرِ. كَمَنْ وَضَعَ سَهْمًا فِي قَوْسِ رَجُلٍ، وَرَمَاهُ صَاحِبُ الْقَوْسِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّامِي دُونَ الْوَاضِعِ.

(6868) فَصْلٌ: إذَا سَقَطَ رَجُلٌ فِي بِئْرٍ، فَسَقَطَ عَلَيْهِ آخَرُ فَقَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ قَتَلَهُ فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ رَمَى عَلَيْهِ حَجَرًا، ثُمَّ يُنْظَر ; فَإِنْ كَانَ عَمَدَ رَمْيَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت