يَحْتَاجُ إلَيْهِ، كَالْعَشَاءِ فِي مَنْزِلِهِ، وَالْمَبِيتِ فِيهِ، فَلَهُ فِعْلُهُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُعْتَكِفِ يَشْتَرِطُ أَنْ يَأْكُلَ فِي أَهْلِهِ ؟ قَالَ: إذَا اشْتَرَطَ فَنَعَمْ. قِيلَ لَهُ: وَتُجِيزُ الشَّرْطَ فِي الِاعْتِكَافِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت لَهُ: فَيَبِيتُ فِي أَهْلِهِ ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ تَطَوُّعًا، جَازَ. وَمِمَّنْ أَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَشَاءَ فِي أَهْلِهِ الْحَسَنُ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ. وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو مِجْلَزٍ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ فِي الِاعْتِكَافِ شَرْطٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ، فَكَانَ الشَّرْطُ إلَيْهِ فِيهِ كَالْوُقُوفِ، وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَخْتَصُّ بِقَدْرٍ، فَإِذَا شَرَطَ الْخُرُوجَ فَكَأَنَّهُ نَذَرَ الْقَدْرَ الَّذِي أَقَامَهُ. وَإِنْ قَالَ: مَتَى مَرِضْت أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ، خَرَجْت. جَازَ شَرْطُهُ.
(2163) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ الْوَطْءَ فِي اعْتِكَافِهِ، أَوْ الْفُرْجَةَ، أَوْ النُّزْهَةَ، أَوْ الْبَيْعَ لِلتِّجَارَةِ، أَوْ التَّكَسُّبَ بِالصِّنَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد} . فَاشْتِرَاطُ ذَلِكَ اشْتِرَاطٌ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالصِّنَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ، فَفِي الِاعْتِكَافِ أَوْلَى، وَسَائِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ يُشْبِهُ ذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَلَا يَعْتَكِفْ ; لِأَنَّ تَرْكَ الِاعْتِكَافِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. قَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمُعْتَكِفِ يَعْمَلُ عَمَلُهُ مِنْ الْخَيَّاطِ وَغَيْرِهِ ؟ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَعْمَلَ. قُلْت: إنْ كَانَ يَحْتَاجُ ؟ قَالَ: إنْ كَانَ يَحْتَاجُ لَا يَعْتَكِفْ.
(2164) فَصْلٌ: إذَا خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ عَامِدًا، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ. وَإِنْ خَرَجَ نَاسِيًا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ نَاسِيًا، فَلَمْ تَفْسُدْ الْعِبَادَةُ، كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَفْسُدُ ; لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلِاعْتِكَافِ، وَهُوَ لُزُومُ لِلْمَسْجِدِ، وَتَرْكُ الشَّيْءِ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ سَوَاءٌ، كَتَرْكِ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ. فَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَ جَسَدِهِ، لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ إلَى عَائِشَةَ فَتَغْسِلُهُ وَهِيَ حَائِضٌ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(2165) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ صُعُودُ سَطْحِ الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنْ اللُّبْثِ فِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيتَ فِيهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ رَحْبَةَ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ إلَيْهَا، لِقَوْلِهِ فِي الْحَائِضِ: يُضْرَبُ لَهَا خِبَاءٌ فِي الرَّحْبَةِ. وَالْحَائِضُ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْمَسْجِدِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا. وَرَوَى عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَخْرُج إلَى رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ، هِيَ مِنْ الْمَسْجِدِ. قَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ وَبَابٌ فَهِيَ كَالْمَسْجِدِ ; لِأَنَّهَا مَعَهُ، وَتَابِعَةٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَحُوطَةً، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ. فَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَحَمَلَهُمَا عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ. فَإِنْ خَرَجَ إلَى مَنَارَةٍ خَارِجَ الْمَسْجِد لِلْأَذَانِ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ ; لِأَنَّ مَنَارَةَ الْمَسْجِدِ كَالْمُتَّصِلَةِ بِهِ.
(2166) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ وَطِئَ فَقَدْ أَفْسَدَ اعْتِكَافَهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا)