فَصْلٌ: وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُسَامَة بْن زَيْدٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ} ..
(2141) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَيَّامُ الْبِيضَ الَّتِي حَضَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِيَامِهَا، هِيَ الثَّالِثُ عَشَرَ وَالرَّابِعُ عَشَرَ وَالْخَامِسُ عَشَرَ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَبٌّ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: {أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ} . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: {صُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ; فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَيَّامَ الْبِيضِ ; لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يَا أَبَا ذَرٍّ، إذَا صُمْت مِنْ الشَّهْرِ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ} . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى النَّسَائِيّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قَالَ لِأَعْرَابِيٍّ: كُلْ. قَالَ: إنِّي صَائِمٌ. قَالَ: صَوْمُ مَاذَا ؟ قَالَ: صَوْمُ ثَلَاثَة أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ. قَالَ: إنْ كُنْت صَائِمًا فَعَلَيْك بِالْغُرِّ الْبِيضِ ; ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ} . وَعَنْ مِلْحَانَ الْقَيْسِيِّ، قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ ; ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ: هُوَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ} . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَسُمِّيَتْ أَيَّامَ الْبِيضِ لِابْيِضَاضِ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْقَمَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَيَّامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ. وَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَابَ عَلَى آدَمَ فِيهَا، وَبَيَّضَ صَحِيفَتَهُ. ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ. (2142)
فَصْل: وَيَجِبُ عَلَى الصَّائِم أَنْ يُنَزِّهَ صَوْمَهُ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ. قَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَعَاهَدَ صَوْمَهُ مِنْ لِسَانِهِ، وَلَا يُمَارِي، وَيَصُونَ صَوْمَهُ، كَانُوا إذَا صَامُوا قَعَدُوا فِي الْمَسَاجِدِ، وَقَالُوا: نَحْفَظُ صَوْمَنَا. وَلَا يَغْتَابُ أَحَدًا، وَلَا يَعْمَلُ عَمَلًا يَجْرَحُ بِهِ صَوْمَهُ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ} . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
(2143) فَصْلٌ: فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: وَهِيَ لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ مُبَارَكَةٌ مُعَظَّمَةٌ مُفَضَّلَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} . قِيلَ: مَعْنَاهُ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ; لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ خَيْرٍ وَمُصِيبَةٍ، وَرِزْقٍ وَبَرَكَةٍ. يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} . وَسَمَّاهَا مُبَارَكَةً، فَقَالَ تَعَالَى {إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} . وَهِيَ لَيْلَةُ