فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 3896

فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ صَاحِبُ الثَّوْبِ، وَيَقِفَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا وَهُمْ قُرَّاءٌ، صَلَّى الْبَاقُونَ جَمَاعَةً عَلَى مَا أَسْلَفْنَا. قَالَ الْقَاضِي: يُصَلِّي هُوَ مُنْفَرِدًا، وَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُ الثَّوْبِ إعَارَةَ ثَوْبِهِ، وَمَعَهُمْ نِسَاءٌ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِنَّ ; لِأَنَّهُنَّ آكَدُ فِي السَّتْرِ. وَإِذَا صَلَّيْنَ فِيهِ أَخَذَهُ. فَإِذَا تَضَايَقَ الْوَقْتُ، وَفِيهِمْ قَارِئٌ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ ; لِيَكُونَ إمَامَهُمْ. وَإِنْ أَعَادَهُ لِغَيْرِ الْقَارِئِ صَارَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ صَاحِبِ الثَّوْبِ. فَإِنْ اسْتَوَوْا، وَلَمْ يَكُنْ الثَّوْبُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهُوَ أَحَقُّ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَوُوا فَالْأَوْلَى بِهِ مَنْ تُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِإِعَارَتِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

(831)مَسْأَلَةٌ: قَالَ:(وَمَنْ كَانَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ أَوْمَأَ إيمَاءً)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الطِّينِ وَالْمَطَرِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا بِالتَّلَوُّثِ بِالطِّينِ وَالْبَلَلِ بِالْمَاءِ، فَلَهُ الصَّلَاةُ عَلَى دَابَّتِهِ، يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا أَوْمَأَ بِالسُّجُودِ أَيْضًا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ السُّجُودُ عَلَى الْأَرْضِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ. رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ فِي مَاءٍ وَطِينٍ. وَفَعَلَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَمَرَ بِهِ طَاوُسٌ، وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْدُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ ; لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَلِأَنَّ السُّجُودَ وَالْقِيَامَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَطَرِ، كَبَقِيَّةِ أَرْكَانِهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ انْتَهَى إلَى مَضِيقٍ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّهِمْ، يُومِئُونَ إيمَاءً، يَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ.} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الرَّمَّاحِ الْبَلْخِيّ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ،

قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيَّ، فَقَالَ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ. وَعَنْ مَالِكٍ كَالْمَذْهَبَيْنِ.

وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: {فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ.} وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلَنَا، مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ. وَفِعْلُ أَنَسٍ قَالَ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ صَلَّى أَنَسٌ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى سَرَابِيطَ. فِي يَوْمِ مَطَرٍ الْمَكْتُوبَةَ عَلَى الدَّابَّةِ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ، فَيَكُونَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْمَطَرَ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ، فَأَثَّرَ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ كَالسَّفَرِ يُؤَثِّرُ فِي الْقَصْرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الطِّينَ كَانَ يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ فِي تَلْوِيثِ الثِّيَابِ.

(832) فَصْلٌ: فَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِأَجْلِ الْمَرَضِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، يَجُوزُ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ بِالنُّزُولِ فِي الْمَرَضِ أَشَدُّ مِنْهَا بِالنُّزُولِ فِي الْمَطَرِ، فَإِذَا أَثَّرَ الْمَطَرُ فِي إبَاحَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَالْمَرَضُ أَوْلَى.

وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ لَهَا أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُنْزِلُ مَرْضَاهُ، وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ عَلَى السُّجُودِ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ كَغَيْرِ الْمَرَضِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطَرِ، أَنَّ النُّزُولَ فِي الْمَطَرِ يُبَلِّلُ ثِيَابَهُ وَيُلَوِّثُهَا، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَشَقَّةِ، وَنُزُولَ الْمَرِيضِ يُؤَثِّرُ فِي حُصُولِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ أَسْكَنُ لَهُ وَأَمْكَنُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى الظَّهْرِ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الْمَشَقَّةِ، فَالْمَشَقَّةُ عَلَى الْمَرِيضِ فِي نَفْسِ جِهَةِ النُّزُولِ، لَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْمَشَقَّةُ عَلَى الْمَمْطُورِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ، لَا فِي النُّزُولِ. وَمَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ، فَإِنْ خَافَ الْمَرِيضُ مِنْ النُّزُولِ ضَرَرًا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت