الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ كُلَّهُ، فَهَذَا يَحْنَثُ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِأَنَّهُ أَكَلَ التَّمْرَةَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا. الثَّانِي، أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهَا ; إمَّا بِأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا، أَوْ أَكَلَ شَيْئًا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُهَا، فَلَا يَحْنَثُ أَيْضًا، بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُ زَوْجَتِهِ. الثَّالِثُ، أَكَلَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا ; إمَّا وَاحِدَةً، أَوْ أَكْثَرَ، إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَدْرِ هَلْ أَكَلَهَا أَمْ لَا ؟ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ ; لِأَنَّ الْبَاقِيَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا، وَيَقِينُ النِّكَاحِ ثَابِتٌ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
فَعَلَى هَذَا، يَكُونُ حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيًا، فِي لُزُومِ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا وَمَسْكَنِهَا، وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا، إلَّا الْوَطْءَ ; فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ: يُمْنَعُ وَطْأَهَا ; لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي حِلِّهَا، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، كَسَائِرِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ حُكْمًا، فَأَثْبَتَ الْحِلَّ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا ؟ وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَيَأْكُلَنَّ هَذِهِ التَّمْرَةَ، فَلَا يَتَحَقَّقُ بِرُّهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ أَكَلَهَا.
(8157) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ)
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَبَرُّ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي الْمَرِيضِ عَلَيْهِ الْحَدُّ: يُضْرَبُ بِعِثْكَالِ النَّخْلِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا مَسَّتْهُ كُلُّهَا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَمَسَّهُ كُلُّهَا، لَمْ يَبَرَّ. وَإِنْ شَكَّ، لَا يَحْنَثْ فِي الْحُكْمِ ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} . {وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي زَنَى: خُذُوا لَهُ عُثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً} . وَلِأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، فَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ الضَّرْبَ.
وَلَنَا، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ، وَلَمْ يَضْرِبْهُ إلَّا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَلَمْ يَبَرَّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ بِسَوْطٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ، يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَوْ عَادَ الْعَدَدُ إلَى السَّوْطِ، لَمْ يَبَرَّ بِالضَّرْبِ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، وَلِأَنَّ السَّوْطَ هَاهُنَا آلَةٌ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَصْدَرِ، وَانْتَصَبَ انْتِصَابَهُ، فَمَعْنَى كَلَامِهِ، لَأَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ. وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ يَمِينِهِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ لُغَةً، فَلَا يَبَرُّ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرْخَصَ لَهُ رِفْقًا بِامْرَأَتِهِ، لِبِرِّهَا بِهِ، وَإِحْسَانِهَا إلَيْهِ، لِيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ بِرِّهِ فِي يَمِينِهِ وَرِفْقِهِ بِامْرَأَتِهِ، وَلِذَلِكَ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِهَذَا، وَذَكَرَهُ فِي جُمْلَةِ مَا مَنَّ عَلَيْهِ بِهِ، مِنْ مُعَافَاتِهِ إيَّاهُ مِنْ بَلَائِهِ، وَإِخْرَاجِ الْمَاءِ لَهُ، فَيَخْتَصُّ هَذَا بِهِ، كَاخْتِصَاصِهِ بِمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ عَامًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ لَمَا اُخْتُصَّ أَيُّوبُ بِالْمِنَّةِ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي يُخَافُ تَلَفُهُ، أُرْخِصَ لَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِّ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَدَّهُ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْحَدِّ