الْمَبِيعِ ; لِأَنَّهُ غَاصِبٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ظَالِمًا، انْفَسَخَ الْبَيْعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ; لِعَجْزِ الْبَائِعِ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ وَلَهُمْ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ فِي الْبَاطِنِ بِحَالٍ. وَهَذَا فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْبَاطِنِ بِحَالٍ، لَمَا أَمْكَنَ فَسْخُهُ فِي الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِيمَا رَجَعَ إلَيْهِ بِالْفَسْخِ وَمَتَى عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ مُنِعَ مِنْهُ. وَلِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُمَا الْفَسْخَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَانْفَسَخَ بِفَسْخِهِ فِي الْبَاطِنِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ إنْ فَسَخَهُ الصَّادِقُ مِنْهُمَا، انْفَسَخَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ; لِذَلِكَ.
وَإِنْ فَسَخَهُ الْكَاذِبُ عَالِمًا بِكَذِبِهِ، لَمْ يَنْفَسِخْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفَسْخُ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَيَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِهِ فَيُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا رَجَعَ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِدَعْوَى الْعَيْبِ، وَلَا عَيْبَ فِيهِ.
(3068) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ تَالِفَةً تَحَالَفَا وَرَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَ الثَّمَنَ عَلَى مَا قَالَ الْبَائِعُ)
فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، مَعَ يَمِينِهِ فِي الصِّفَةِ وَجُمْلَتُهُ ; أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ بَعْدَ تَلَفِهَا فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَتَحَالَفَانِ، مِثْلُ مَا لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَالْأُخْرَى، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ {وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ} فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ التَّحَالُفُ عِنْدَ تَلَفِهَا وَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى نَقْلِ السِّلْعَةِ إلَى الْمُشْتَرِي، وَاسْتِحْقَاقِ عَشَرَةٍ فِي ثَمَنِهَا، وَاخْتَلَفَا فِي عَشَرَةٍ زَائِدَةٍ الْبَائِعُ يَدَّعِيهَا وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهَا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَتَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْقِيَاسِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عُمُومُ قَوْلِهِ: {إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ} وَقَالَ أَحْمَدُ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: {وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ} إلَّا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ أَخْطَأَ رُوَاةُ الْحَلِفِ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ لَمْ يَقُولُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَلَكِنَّهَا فِي حَدِيثِ مَعْنٍ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ فَيُشْرَعُ الْيَمِينُ، كَحَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى يَبْطُلُ بِحَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِقِيَامِ السِّلْعَةِ وَتَلَفِهَا وَقَوْلُهُمْ: تَرَكْنَاهُ لِلْحَدِيثِ قُلْنَا: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَحَالَفَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ. وَعَلَى أَنَّهُ إذَا خُولِفَ الْأَصْلُ لِمَعْنًى، وَجَبَ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِتَعَدِّي ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ بَلْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّ التَّحَالُفَ إذَا ثَبَتَ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثَمَنِهَا لِلْمَعْرِفَةِ بِقِيمَتِهَا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ بِالْقِيمَةِ، فَمَعَ تَعَذُّرِ ذَلِكَ أَوْلَى.
فَإِذَا تَحَالَفَا، فَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَالَ الْآخَرُ، لَمْ يُفْسَخْ الْعَقْدُ ; لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى فَسْخِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ، كَمَا لَهُ ذَلِكَ فِي حَالِ بَقَاءِ السِّلْعَةِ، وَيَرُدُّ الثَّمَنُ الَّذِي قَبَضَهُ الْبَائِعُ إلَى الْمُشْتَرِي، وَيَدْفَعُ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ السِّلْعَةِ إلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَتُسَاوَيَا بَعْدَ التَّقَابُضِ، تَقَاصَّا.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرَعَ التَّحَالُفُ وَلَا الْفَسْخُ، فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ مُسَاوِيَةً لِلثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ