هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ ; مِنْهَا أَنَّ حُكْمَ الْعِتْقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ، لَا يَجُوزُ مِنْهُ إلَّا ثُلُثُ الْمَالِ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ. وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.، وَحُكِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ، فِي مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ: أُجِيزُهُ بِرُمَّتِهِ، شَيْءٌ جَعَلَهُ لِلَّهِ لَا أَرُدُّهُ. وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ يُخَالِفُ الْأَثَرَ وَالنَّظَرَ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ {عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً. وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا.} رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ. الثَّانِي، أَنَّ الْعِتْقَ إذَا كَانَ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ، كَمَّلْنَا الثُّلُثَ فِي وَاحِدٍ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَمَّلْنَا الْعِتْقَ فِي بَعْضِهِمْ بِالْقُرْعَةِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْمَذْكُورِ. الثَّالِثُ، أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا جُزْءٌ مِنْ عَبْدٍ، عَتَقَ ذَلِكَ الْجُزْءُ خَاصَّةً، وَرُقَّ بَاقِيهِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْعِتْقِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الرَّابِعُ، إثْبَاتُ الْقُرْعَةِ وَمَشْرُوعِيَّتِهَا ; بِدَلِيلِ حَدِيثِ عِمْرَانَ، وَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَعْبُدِ الَّذِينَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ. فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ تَكْمِيلِ الْعِتْقِ، فَإِنَّ الْعَبِيدَ إنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمْ، وَكَانَ لَهُمْ ثُلْثٌ صَحِيحٌ، كَسِتَّةِ أَعْبُدٍ، قِيمَةُ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ ثُلُثُ الْمَالِ، جَعَلْنَا كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ ثُلُثًا، وَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ، وَسَهْمَيْ رِقٍّ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاَللَّذَانِ يَقَعُ لَهُمَا سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ يُعْتَقَانِ، وَيُرَقُّ الْآخَرُونَ. وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ كَسْرٌ، كَمَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ، أَقْرَعْت بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، فَأَيُّهُمَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ، ضَرَبْت قِيمَتَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، فَمَهْمَا بَلَغَ نَسَبْت إلَيْهِ قِيمَةَ الْعَبْدَيْنِ جَمِيعًا، فَمَهْمَا خَرَجَ بِالنِّسْبَةِ، فَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يُعْتَقُ مِنْهُ. فَقِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، إذَا وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَتَانِ، ضَرَبْتهمَا فِي ثَلَاثَةٍ، صَارَتْ سِتَّمِائَةٍ، وَنَسَبْت مِنْهَا قِيمَةَ الْعَبْدَيْنِ مَعًا، وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ، تَجِدُهَا خَمْسَةَ أَسْدَاسِهَا، فَيُعْتَقُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ. وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ، عَتَقَ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ. وَتَمَامُ شَرْحِ ذَلِكَ يَأْتِي فِي بَابِ الْعِتْقِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(4790) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَوْصَى بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ لِرَجُلٍ، وَلَمْ يُسَمِّ الْعَبْدَ، كَانَ لَهُ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ، إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِلَّا مَلَكَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ، وَشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ، تَصِحُّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَجْهُولِ تَصِحُّ فِيمَا مَضَى. وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَحَدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ إِسْحَاقَ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ، أَنَّهُ يُعْطَى أَحْسَنَهُمْ. يَعْنِي يُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ مَا أَحَبُّوا مِنْ الْعَبِيدِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ قَوْلًا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِعَبْدٍ،