فهرس الكتاب

الصفحة 3828 من 3896

فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَيْنٌ، مِثْلُ إنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ دَيْنٌ مِنْ الْكِتَابَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلِلْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ، وَكَانَا نَقْدًا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، حَالَّيْنِ، أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ أَجَلًا وَاحِدًا، تَقَاصَّا، وَتَسَاقَطَا لِأَنَّهُمَا إذَا تَسَاقَطَا بَيْنَ الْأَجَانِبِ، فَمَعَ السَّيِّدِ وَمُكَاتَبِهِ أَوْلَى. وَإِنْ كَانَا نَقْدَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ، كَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ، فَجَعَلَهَا قِصَاصًا بِهَا، جَازَ، بِخِلَافِ الْحُرَّيْنِ.

وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ هَذَا ; لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ، كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَفَارَقَ الْعَبْدَ الْقِنَّ ; فَإِنَّهُ بَاقٍ فِي تَصَرُّفِ سَيِّدِهِ، وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ خَالِصٌ لِسَيِّدِهِ، لَهُ أَخْذُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ. فَعَلَى هَذَا، لَا يَجُوزُ مَعَ التَّرَاضِي بِهِ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي مُوسَى: يَجُوزُ إذَا تَرَاضَيَا بِذَلِكَ، وَتَبَايَعَاهُ، وَلَا يَثْبُتُ التَّقَابُضُ قَبْلَ تَرَاضِيهِمَا بِهِ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ ; فَأَمَّا إنْ كَانَا عَرْضَيْنِ، أَوْ عَرْضًا وَنَقْدًا، لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا بِغَيْرِ تَرَاضِيهِمَا بِحَالٍّ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَرْضُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَوْ غَيْرِ جِنْسِهِ. وَإِنْ تَرَاضَيَا بِذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.

وَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ حَقَّهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْآخَرِ عِوَضًا عَنْ مَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ، جَازَ، إذَا لَمْ يَكُنْ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ عَنْ سَلَمٍ، فَإِنْ ثَبَتَ عَنْ سَلَمٍ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُ عِوَضِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَفِي الْجُمْلَةِ، إنَّ حُكْمَ الْمُكَاتَبِ مَعَ سَيِّدِهِ فِي هَذَا، حُكْمُ الْأَجَانِبِ إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(8743) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ)

الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ:

(8744) الْفَصْلِ الْأَوَّلِ: فِي وَطْئِهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَهُوَ حَرَامٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقِيلَ: لَهُ وَطْؤُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَشْغَلُهَا الْوَطْءُ عَنْ السَّعْيِ عَمَّا هِيَ فِيهِ ; لِأَنَّهَا مِلْكُ يَمِينِهِ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} .

وَلَنَا، أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ أَزَالَ مِلْكَ اسْتِخْدَامِهَا، وَمِلْكَ عِوَضِ مَنْفَعَةِ بُضْعِهَا فِيمَا إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، فَأَزَالَ حِلَّ وَطْئِهَا، كَالْبَيْعِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْمُزَوَّجَةِ، فَنَقِيسُ عَلَيْهَا مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ هَاهُنَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ عَنْ مَنَافِعِهَا، جُمْلَةً، وَلِهَذَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، كَانَ الْمَهْرُ لَهَا، وَتُفَارِقُ أُمُّ الْوَلَدِ ; فَإِنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِمَوْتِهِ فَأَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ وَالْمُوصَى بِهَا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْبَيْعُ ; لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ الْعِتْقَ بِمَوْتِهِ اسْتِحْقَاقًا لَازِمًا، لَا يُمْكِنُ زَوَالُهُ. (8745)

الْفَصْلُ الثَّانِي: إذَا شَرَطَ وَطْأَهَا، فَلَهُ ذَلِكَ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ. وَقَالَ سَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا: لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ مَعَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ بِالشَّرْطِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت