فَصْلٌ: قَالَ أَبُو طَالِبٍ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إذَا أَمَرَ غُلَامَهُ فَجَنَى، فَعَلَيْهِ مَا جَنَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، إنْ قَطَعَ يَدَ حُرٍّ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ يَدِ الْحُرِّ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَقَلَّ، وَإِنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ أَنْ يَجْرَحَ رَجُلًا، فَمَا جَنَى، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ; لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ. وَكَانَ عَلِيٌّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولَانِ: إذَا أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَقْتُلَ، فَإِنَّمَا هُوَ سَوْطُهُ، وَيُقْتَلُ الْمَوْلَى، وَيُحْبَسُ الْعَبْدُ. وَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ خِلَاسٍ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: إذَا أَمَرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فَقَتَلَ، إنَّمَا هُوَ كَسَوْطِهِ أَوْ كَسَيْفِهِ، يُقْتَلُ الْمَوْلَى، وَالْعَبْدُ يُسْتَوْدَعُ السِّجْنَ. وَلِأَنَّهُ فَوَّتَ شَيْئًا بِأَمْرِهِ، فَكَانَ عَلَى السَّيِّدِ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ اسْتَدَانَ بِأَمْرِهِ.
(6812) فَصْلٌ: فَإِنْ جَنَى جِنَايَاتٍ، بَعْضَهَا بَعْدَ بَعْضٍ، فَالْجَانِي بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَاتِ بِالْحِصَصِ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَحَمَّادٌ، وَرَبِيعَةُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ. وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ: يُقْضَى بِهِ لِآخِرِهِمْ. وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ ; لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَرَدَتْ عَلَى مَحَلٍّ مُسْتَحِقٍّ، فَقُدِّمَ صَاحِبُهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ قَبْلَهُ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَمْ يَجْنِ. وَقَالَ شُرَيْحٌ، فِي عَبْدٍ شَجَّ رَجُلًا، ثُمَّ آخَرَ، ثُمَّ آخَرَ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: يُدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ مَوْلَاهُ، ثُمَّ يُدْفَعُ إلَى الثَّانِي، ثُمَّ يُدْفَعُ إلَى الثَّالِثِ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْأَوْسَطُ.
وَلَنَا، أَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ، فَتَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ لَوْ قُدِّمَ بَعْضُهُمْ، كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمِلْكِ، فَإِنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَقْوَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ وَجَدَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِغَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ عِوَضًا، وَحَقُّ الْمَالِكِ ثَبَتَ بِرِضَاهُ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَافْتَرَقَا.
(6813) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِي، عَتَقَ، وَضَمِنَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْأَرْشِ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ، فَلَزِمَهُ غَرَامَتُهُ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ. وَيَنْبَنِي قَدْرُ الضَّمَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِيمَا إذَا اخْتَارَ إمْسَاكَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ ; لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ بِإِعْتَاقِهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ امْتِنَاعِهِ مِنْ تَسْلِيمِهِ بِاخْتِيَارِ فِدَائِهِ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إنْ أَعْتَقَهُ، عَالِمًا بِجِنَايَتِهِ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، يَعْنِي دِيَةَ الْمَقْتُولِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِجِنَايَتِهِ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ مَعَ الْعِلْمِ، كَانَ مُخْتَارًا لِفِدَائِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ الْفِدَاءَ ; لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ مَا فَوَّتَهُ.
(6814) فَصْلٌ: فَإِنْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، صَحَّ بَيْعُهُ ; لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ، وَلَمْ يَزُلْ تَعَلُّقُ الْجِنَايَةِ عَنْ رَقَبَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِحَالِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَيَنْتَقِلُ الْخِيَارُ فِي فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، كَالسَّيِّدِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَرَدِّهِ، كَسَائِرِ الْمَعِيبَاتِ.
(6815) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْعَاقِلَةُ الْعُمُومَةُ، وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، الْأَبُ، وَالِابْنُ، وَالْإِخْوَةُ، وَكُلُّ الْعَصَبَةِ مِنْ الْعَاقِلَةِ)
.الْعَاقِلَةُ: مَنْ يَحْمِلُ الْعَقْلَ. وَالْعَقْلُ: الدِّيَةُ، تُسَمَّى عَقْلًا ; لِأَنَّهَا تَعْقِلُ لِسَانَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ. وَقِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ الْعَاقِلَةُ،