شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ غَيْرُ سَمِيعٍ، وَحَلَفَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ احْتَرَزَ وَتَصَبَّرَ.
وَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ فِي إحْدَاهُمَا، سُدَّتْ الْأُخْرَى، وَتُغُفِّلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ ادَّعَى نُقْصَانَ السَّمْعِ فِيهِمَا، فَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَيُحَلِّفُهُ الْحَاكِمُ، وَيُوجِبُ حُكُومَةً. وَإِنْ ادَّعَى نَقْصَهُ فِي إحْدَاهُمَا، سَدَدْنَا الْعَلِيلَةَ، وَأَطْلَقْنَا الصَّحِيحَةَ، وَأَقَمْنَا مَنْ يُحَدِّثُهُ وَهُوَ يَتَبَاعَدُ إلَى حَيْثُ يَقُولُ: إنِّي لَا أَسْمَعُ. فَإِذَا قَالَ إنِّي لَا أَسْمَعُ. غَيَّرَ عَلَيْهِ الصَّوْتَ وَالْكَلَامَ فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ يَسْمَعُ، وَإِلَّا فَقَدْ كَذَبَ، فَإِذَا انْتَهَى إلَى آخِرِ سَمَاعِهِ، قَدَّرَ الْمَسَافَةَ، وَسَدَّ الصَّحِيحَةَ، وَأُطْلِقَتْ الْمَرِيضَةُ، وَحَدَّثَهُ وَهُوَ يَتَبَاعَدُ، حَتَّى يَقُولَ: إنِّي لَا أَسْمَعُ. فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، غَيَّرَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهُ، حَلَفَ، وَقُبِلَ قَوْلُهُ، وَمُسِحَتْ الْمَسَافَتَانِ، وَنُظِرَ مَا نَقَصَتْ الْعَلِيلَةُ، فَوَجَبَ بِقَدْرِهِ. فَإِنْ قَالَ: إنِّي أَسْمَعُ الْعَالِي، وَلَا أَسْمَعُ الْخَفِيَّ. فَهَذَا لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ، فَتَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ.
(6911) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّهُ يُرْجَى عَوْدُ سَمْعِهِ إلَى مُدَّةٍ. اُنْتُظِرَ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ غَايَةٌ، لَمْ يُنْتَظَرْ. وَمَتَى عَادَ السَّمْعُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَخْذِ الدِّيَةِ، سَقَطَتْ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، رُدَّتْ. عَلَى مَا قُلْنَا فِي الْبَصَرِ.
(6912) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي قَرْعِ الرَّأْسِ إذَا لَمْ يَنْبُتْ الشَّعْرُ الدِّيَةُ. وَفِي شَعْرِ اللِّحْيَةِ الدِّيَةُ، إذَا لَمْ يَنْبُتْ. وَفِي الْحَاجِبَيْنِ الدِّيَةُ إذَا لَمْ تَنْبُتْ)
هَذِهِ الشُّعُورُ الثَّلَاثَةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا دِيَةٌ. وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا مَعَهَا شَعْرًا رَابِعًا، وَهُوَ أَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا. فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَمِمَّنْ أَوْجَبَ فِي الْحَاجِبَيْنِ الدِّيَةَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَشُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الشَّعْرِ: فِيهِ الدِّيَةُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: فِيهِ حُكُومَةٌ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّهُ إتْلَافُ جَمَالٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ; فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الدِّيَةُ، كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ، فَوَجَبَ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَأُذُنِ الْأَصَمِّ، وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مَمْنُوعٌ ; فَإِنَّ الْحَاجِبَ يَرُدُّ الْعَرَقَ عَنْ الْعَيْنِ وَيُفَرِّقُهُ، وَهُدْبُ الْعَيْنِ يَرُدُّ عَنْهَا وَيَصُونُهَا، فَجَرَى مَجْرَى أَجْفَانِهَا. وَيَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْأَصْلِ الَّذِي قِسْنَا عَلَيْهِ، وَيُفَارِقُ الْيَدَ الشَّلَّاءَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ جَمَالُهَا كَامِلًا
(6913) فَصْلٌ: وَفِي أَحَدِ الْحَاجِبَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ فِيهِمَا الدِّيَةُ، فَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالْيَدَيْنِ. وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ، أَوْ ذَهَابِ شَيْءٍ مِنْ الشُّعُورِ الْمَذْكُورَةِ، مِنْ الدِّيَةَ بِقِسْطِهِ مِنْ دِيَتِهِ، يُقَدَّرُ بِالْمِسَاحَةِ، كَالْأُذُنَيْنِ، وَمَارِنِ الْأَنْفِ.
وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الشُّعُورِ بَيْن كَوْنِهَا كَثِيفَةً أَوْ خَفِيفَةً، أَوْ جَمِيلَةً أَوْ قَبِيحَةً، أَوْ كَوْنِهَا مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ; لِأَنَّ سَائِرَ مَا فِيهِ الدِّيَةُ مِنْ الْأَعْضَاءِ، لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهِ بِذَلِكَ. وَإِنْ أَبْقَى مِنْ لِحْيَتِهِ مَا لَا جَمَالَ فِيهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الشَّعْرِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ ; لِأَنَّهُ مَحَلٌّ يَجِبُ فِي بَعْضِهِ بِحِصَّتِهِ، فَأَشْبَهَ الْأُذُنَ وَمَارِنَ الْأَنْفِ. وَالثَّانِي: تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً ; لِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْمَقْصُودَ كُلَّهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَذْهَبَ ضَوْءَ الْعَيْنَيْنِ ; وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُ رُبَّمَا