فهرس الكتاب

الصفحة 1052 من 3896

هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْنَاهُ لَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنَّ وُجُوبَ الدَّمِ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمَنْفِيَّةِ بِقَوْلِهِ:"وَلَيْسَ فِي عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ". وَلَا نَعْلَمُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ خِلَافًا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، أَنَّ ابْنَ دَاوُد لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ سُئِلَ عَنْ الْقَارِنِ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ ؟ فَقَالَ: لَا. فَجُرَّ بِرِجْلِهِ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجَّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ} . وَالْقَارِنُ مُتَمَتِّعٌ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، بِدَلِيلِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سَمِعَ عُثْمَانَ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ، أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّمَا الْقِرَانُ لِأَهْلِ الْآفَاقِ. وَتَلَا قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ قَرَنَ بَيْنَ حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا} . وَلِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، فَلَزِمَهُ دَمٌ كَالْمُتَمَتِّعِ. وَإِذَا عَدِمَ الدَّمَ، فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ، كَالْمُتَمَتِّعِ سَوَاءٌ.

(2597) فَصْلٌ: وَمِنْ شَرْطِ وُجُوب الدَّم عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: عَلَيْهِ دَمٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَسْقَطَ الدَّمَ عَنْ الْمُتَمَتِّعِ، وَلَيْسَ هَذَا مُتَمَتِّعًا. وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ ; فَإِنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فَهُوَ فَرْعٌ عَلَيْهِ، وَوُجُوبُ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ إنَّمَا كَانَ بِمَعْنَى النَّصِّ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ الْفَرْعُ أَصْلَهُ.

(2598) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَطَافَ وَسَعَى، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ، وَلَمْ يَكُنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، عَلَيْهِ دَمٌ)

(2599) فَصْلٌ: الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ: أَحَدُهَا، وُجُوبُ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ فِي الْجُمْلَةِ. وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَقَدِمَ مَكَّةَ فَفَرَغَ مِنْهَا، وَأَقَامَ بِهَا، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إنْ وَجَدَ، وَإِلَّا فَالصِّيَامُ. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ} الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: {تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَيُهْدِي، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ جَابِرٌ: {كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فِيهَا.} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ. فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْته عَنْ الْهَدْيِ، فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ مِنْ دَمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالدَّمُ الْوَاجِبُ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَقَرَةٍ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ، فَإِنْ نَحَرَ بَدَنَةً، أَوْ ذَبَحَ بَقَرَةً، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

وَقَالَ مَالِكٌ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت