فهرس الكتاب

الصفحة 1335 من 3896

إذَا حَدَثَتْ، فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ. فَإِنْ وَقَعَ التَّوَانِي فِي قَطْعِ الْأُولَى حَتَّى اخْتَلَطَتْ بِالثَّانِيَةِ، وَتَعَذَّرَ التَّمَيُّزُ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا، وَقَدْ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ. فَعَلَى هَذَا إنْ سَمْحَ الرَّاهِنُ بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ رَهْنًا، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى قَدْرِ الْمَرْهُونِ مِنْهُمَا، فَحَسَنٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ ; لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ لِلْقَدْرِ الزَّائِدِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.

(3310) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَهُ مَنَافِعَ دَارِهِ شَهْرًا، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَالْمَنَافِعُ تَهْلِكُ إلَى حُلُولِ الْحَقِّ. وَإِنْ رَهَنَهُ أُجْرَةَ دَارِهِ شَهْرًا، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ وَغَيْرُ مَمْلُوكَةٍ.

(3311) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ الْمُكَاتَبُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ. وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ. وَلَوْ رَهَنَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى السَّيِّدِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ. فَقَدْ صَارَ حُرًّا بِشِرَائِهِ إيَّاهُ.

(3312) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ، أَوْ بَاعَهَا، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِحُّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ ; لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِي، فَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ، كَالْمَرْهُونِ. وَلَنَا، أَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَادَفَ مِلْكَهُ، وَلَمْ يُعَلِّقْ بِهِ حَقًّا، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ رَهَنَ الْمُرْتَدَّ.

وَفَارَقَ الْمَرْهُونَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَلَّقَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَتنَا فَالْحَقُّ تَعَلَّقَ بِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ تَصَرُّفَهُ. وَهَكَذَا كُلُّ حَقٍّ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِهِ، كَالزَّكَاةِ وَالْجِنَايَةِ، فَلَا يَمْنَعُ رَهْنَهُ، فَإِذَا رَهَنَهُ، ثُمَّ قَضَى الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْحَقَّ، فَلِلْغُرَمَاءِ انْتِزَاعُهُ ; لِأَنَّ حَقَّهُمْ أَسْبَقُ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْجَانِي. وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي التَّرِكَةِ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ مَبِيعٌ بَاعَهُ الْمَيِّتُ بِعَيْبٍ ظَهَرَ فِيهِ، أَوْ حَقٌّ تَجَدَّدَ تَعَلُّقُهُ بِالتَّرِكَةِ، مِثْلُ إنْ وَقَعَ إنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ فِي بِئْرٍ حَفَرَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ نَافِذٍ، فَإِنْ قَضَى الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ نَفَذَ، وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ.

(3313) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ صِحَّةَ رَهْنِهِ، إذَا شَرَطَا كَوْنَهُ عَلَى يَدِ مُسْلِمٍ، وَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ إذَا امْتَنَعَ مَالِكُهُ. وَهَذَا أَوْلَى ; لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ.

(3314) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَبَضَ الرَّهْنَ مَنْ تَشَارَطَا أَنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ عَلَى يَدِهِ، صَارَ مَقْبُوضًا)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ إذَا شَرَطَا كَوْنَ الرَّهْنِ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ رَضِيَاهُ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ، جَازَ، وَكَانَ وَكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ نَائِبًا عَنْهُ فِي الْقَبْضِ، فَمَتَى قَبَضَهُ صَحَّ قَبْضُهُ، فِي قَوْلِ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

وَقَالَ الْحَكَمُ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَكُونُ مَقْبُوضًا بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ، فَتَعَلَّقَ بِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ

وَلَنَا، أَنَّهُ قَبْضٌ فِي عَقَدَ، فَجَازَ فِيهِ التَّوْكِيلُ، كَسَائِرِ الْقُبُوضِ، وَفَارَقَ الْقَبُولَ ; لِأَنَّ الْإِيجَابَ إذَا كَانَ لِشَخْصِ كَانَ الْقَبُولُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يُخَاطَبُ بِهِ، وَلَوْ وَكَّلَ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ قَبْلَ أَنْ يُوجِبَ لَهُ، صَحَّ أَيْضًا، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ، فِيمَا يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ فِيهِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَا الرَّهْنَ عَلَى يَدَيْ مَنْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ، وَهُوَ الْجَائِزُ التَّصَرُّفِ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا ; لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت