جَائِزًا بِالْجِنَايَةِ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنُ الضَّمَانَ ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ لِغَيْرِهِ
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَرَهَنَهُ بِحَقٍّ ثَانٍ كَانَ رَهْنًا بِالْأَوَّلِ خَاصَّةً، فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ يَعْتَقِدَانِ فَسَادَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ، وَإِنْ اعْتَقَدَا صِحَّتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا أَنَّهُ رَهَنَهُ بِالْحَقَّيْنِ مُطْلَقًا، بَلْ يَشْهَدَانِ بِكَيْفِيَّةِ الْحَالِ، لِيَرَى الْحَاكِمُ فِيهِ رَأْيَهُ.
(3305) فَصْلٌ: وَأَمَّا رَهْنُ سَوَادِ الْعِرَاقِ، وَالْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَكَذَلِكَ رَهْنُهَا. وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ بِنَائِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ تُرَابِهَا أَوْ مِنْ الشَّجَرِ الْمُجَدَّدِ فِيهَا، إنْ أَفْرَدَهُ بِالْبَيْعِ وَالرَّهْنِ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْبَيْعِ ; إحْدَاهُمَا: يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ طَلْقٌ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا رَهْنُهُ، فَهُوَ كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ. وَإِنْ رَهَنَهُ مَعَ الْأَرْضِ، بَطَلَ فِي الْأَرْضِ، وَهَلْ يَجُوزُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ رَهْنُهَا مُنْفَرِدَةً ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
(3306) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمَجْهُولِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك هَذَا الْجِرَابَ أَوْ الْبَيْتَ أَوْ الْخَرِيطَةَ بِمَا فِيهَا. لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ. وَإِنْ لَمْ يَقْلُ: بِمَا فِيهَا. صَحَّ رَهْنُهَا ; لِلْعِلْمِ بِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ، كَالْجِرَابِ الْخَلِقِ وَنَحْوِهِ. وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ. لَمْ يَصِحَّ ; لِعَدَمِ التَّعْيِينِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِلْعِلْمِ فِي الرَّهْنِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْآبِقِ وَلَا الْجَمَلِ الشَّارِدِ، وَلَا غَيْرِ مَمْلُوكٍ.
(3307) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا، أَوْ بَاعَهُ، يَعْتَقِدُهُ مَغْصُوبًا، فَبَانَ مِلْكُهُ، مِثْلُ إنْ رَهَنَ عَبْدَ أَبِيهِ، فَبَانَ أَنَّ أَبَاهُ قَدْ مَاتَ، وَصَارَ الْعَبْدُ مِلْكَهُ بِالْمِيرَاثِ، أَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا يَشْتَرِي لَهُ عَبْدًا مِنْ سَيِّدِهِ، ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ بَاعَ الْعَبْدَ أَوْ رَهَنَهُ، يَعْتَقِدُهُ لِسَيِّدِهِ الْأَوَّلِ، فَبَانَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بَعْدَ شِرَاءِ الْوَكِيلِ لَهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ ; لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ، وَصَادَفَ مِلْكَهُ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ عَلِمَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ اعْتَقَدَهُ بَاطِلًا.
(3308) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لَمْ يَصِحَّ، إلَّا أَنْ يَرْهَنَهُ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ بَيْعُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ. وَلَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي، فَرَهَنَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ الَّتِي لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْلَ الرُّجُوعِ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ رَهَنَ مَالًا يَمْلِكُهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَ الْأَبُ الْعَيْنَ الَّتِي وَهَبَهَا لِابْنِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ فِيهَا، لَمْ يَصِحَّ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِلشَّافِعِي فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ ; لِأَنَّ لَهُ اسْتِرْجَاعَ الْعَيْنِ، فَتَصَرُّفُهُ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ فِيهَا. وَلَنَا، أَنَّهُ رَهَنَ مَا لَا يَمْلِكُهُ. بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ رَهَنَ الزَّوْجُ نِصْفَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
(3309) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ ثَمَرَةَ شَجَرٍ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ، لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، فَرَهَنَ الثَّمَرَةَ الْأُولَى إلَى مَحِلٍّ تَحْدُثُ الثَّانِيَةُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ، فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ حِينَ حُلُولِ الْحَقِّ، فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ مَجْهُولًا حِينَ الْعَقْدِ، وَكَمَا لَوْ رَهَنَهُ إيَّاهَا بَعْدَ اشْتِبَاهِهَا. فَإِنْ شَرَطَ قَطْعَ الْأُولَى إذَا خِيفَ اخْتِلَاطُهَا بِالثَّانِيَةِ، صَحَّ.
فَإِنْ كَانَ الْحِمْلُ الْمَرْهُونُ بِحَقِّ حَالًّا، وَكَانَتْ الثَّمَرَةُ الثَّانِيَةُ تَتَمَيَّزُ مِنْ الْأُولَى