قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَوْضِعٍ: لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ حَتَّى يَكُونَ جَوْرَبًا صَفِيقًا، يَقُومُ قَائِمًا فِي رِجْلِهِ لَا يَنْكَسِرُ مِثْلَ الْخُفَّيْنِ، إنَّمَا مَسَحَ الْقَوْمُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْخُفِّ، يَقُومُ مَقَامَ الْخُفِّ فِي رِجْلِ الرَّجُلِ، يَذْهَبُ فِيهِ الرَّجُلُ وَيَجِيءُ
يَعْنِي أَنَّ الْجَوْرَبَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِنَفْسِهِ، وَثَبَتَ بِلُبْسِ النَّعْلِ، أُبِيحَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَتَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِخَلْعِ النَّعْلِ ; لِأَنَّ ثُبُوتَ الْجَوْرَبِ أَحَدُ شَرْطَيْ جَوَازِ الْمَسْحِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِلُبْسِ النَّعْلِ، فَإِذَا خَلَعَهَا زَالَ الشَّرْطُ، فَبَطَلَتْ الطَّهَارَةُ. كَمَا لَوْ ظَهَرَ الْقَدَمُ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ. وَقَوْلُهُ:"مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ". قَالَ الْقَاضِي: وَيَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبِ وَالنَّعْلِ، كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا مَسَحَ عَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ، فَأَمَّا أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ فَلَا يُسَنُّ مَسْحُهُ مِنْ الْخُفِّ، فَكَذَلِكَ مِنْ النَّعْلِ
(429) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَانَ فِي الْخُفِّ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَنَحْوِهِ، إذَا كَانَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا مِنْ مَوْضِعِ الْخَرَزِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، إذَا كَانَ يُرَى مِنْهُ الْقَدَمُ. وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَقٌّ يَنْضَمُّ وَلَا يَبْدُو مِنْهُ الْقَدَمُ، لَمْ يَمْنَعْ جَوَازَ الْمَسْحِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَعْمَرٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ خُفٍّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ، وَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ رِجْلِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ تَخَرَّقَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ، جَازَ، وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَثُرَ وَتَفَاحَشَ، لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ. وَتَعَلَّقُوا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَبِأَنَّهُ خُفٌّ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الصَّحِيحَ ; وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى خِفَافِ الْعَرَبِ كَوْنُهَا مُخَرَّقَةً. وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَسْحِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَيَنْصَرِفُ إلَى الْخِفَافَ الْمَلْبُوسَةِ عِنْدَهُمْ غَالِبًا، وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِلْقَدَمِ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَثُرَ وَتَفَاحَشَ، أَوْ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الْخُفِّ ; وَلِأَنَّ حُكْمَ مَا ظَهَرَ الْغَسْلُ، وَمَا اسْتَتَرَ الْمَسْحُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا، غَلَبَ حُكْمُ الْغَسْلِ، كَمَا لَوْ انْكَشَفَتْ إحْدَى قَدَمَيْهِ
(430) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْخِرَقِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقِيلَ لَهُ: إنَّ أَهْلَ الْجَبَلِ يَلُفُّونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ لَفَائِفَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرَبًا. وَذَلِكَ أَنَّ اللِّفَافَةَ لَا تَثْبُتُ بِنَفْسِهَا، إنَّمَا تَثْبُتُ بِشَدِّهَا، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
(431) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ)
السُّنَّةُ مَسْحُ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ، فَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْأَصَابِعِ، ثُمَّ يَجُرُّهَا إلَى سَاقِهِ خَطًّا