بَرَّ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فِي قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَا حَدَّ لَهَا فِي اللُّغَةِ، وَتَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَقَلِّ مَا تَنَاوَلَهُ اسْمُهُ، وَقَدْ يَكُونُ الْقَرِيبُ بَعِيدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ، وَقَرِيبًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ التَّحْدِيدُ بِالتَّحَكُّمِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ بِالتَّوْقِيفِ، وَلَا تَوْقِيفَ هَاهُنَا، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الزَّمَانُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَقَالَ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ: الْحِينُ وَالزَّمَانُ وَالْعُمْرُ وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ فِي الْعَادَةِ بَيْنَهُمَا، وَالنَّاسُ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ التَّبْعِيدَ، فَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْقَلِيلِ، حُمِلَ عَلَى خِلَافِ قَصْدِ الْحَالِفِ. وَالدَّهْرُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَالْحِينِ أَيْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَ فِي"بَعِيدٍ"و"مَلِيءٍ"،"وَطَوِيلٍ": هُوَ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ ضِدُّ الْقَلِيلِ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ضِدِّهِ. وَلَوْ حَمَلَ الْعُمْرَ عَلَى أَرْبَعِينَ عَامًا، كَانَ حَسَنًا ; لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {فَقَدْ لَبِثْت فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} . وَكَانَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَيَجِبُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَ فِي الْغَالِبِ لَا يَكُونُ إلَّا مُدَّة طَوِيلَةً، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
(8113) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الدَّهْرَ، أَوْ الْأَبَدَ، أَوْ الزَّمَانَ. فَذَلِكَ عَلَى الْأَبَدِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَهِيَ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَتَقْتَضِي الدَّهْرَ كُلَّهُ.
(8114) فَصْلٌ: إنْ حَلَفَ عَلَى أَيَّامٍ، فَهِيَ ثَلَاثَةٌ ; لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} . وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَشْهُرٍ، فَهِيَ ثَلَاثَةٌ ; لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى شُهُورٍ، فَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ ; لِذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} . وَلِأَنَّ الشُّهُورَ جَمْعُ الْكَثْرَةِ، وَأَقَلُّهُ عَشَرَةٌ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ جَمْعُ الْقِلَّةِ.
(8115) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَقْضِيَهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، إذَا كَانَ أَرَادَ بِيَمِينِهِ إنْ لَا يُجَاوِزَ ذَلِكَ الْوَقْتَ)
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْنَثُ إذَا قَضَاهُ قَبْلَهُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مُخْتَارًا، فَحَنِثَ، كَمَا لَوْ قَضَاهُ بَعْدَهُ. وَلَنَا، أَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْيَمِينِ، تَعْجِيلُ الْقَضَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ، فَإِذَا قَضَاهُ قَبْلَهُ، فَقَدْ قَضَى قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ، وَزَادَ خَيْرًا، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ، وَنِيَّةُ هَذَا بِيَمِينِهِ تَرْكُ تَعْجِيلِ الْقَضَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ، فَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ، فَإِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي التَّعْجِيلَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَوَاهُ ; لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ، وَلَا كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَبَرُّ إلَّا بِقَضَائِهِ فِي الْغَدِ، وَلَا يَبَرُّ بِقَضَائِهِ قَبْلَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَبَرُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْحَثِّ عَلَى الْفِعْلِ، فَمَتَى عَجَّلَهُ، فَقَدْ أَتَى بِالْمَقْصُودِ، فِيهِ، كَمَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ مَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ لَفْظًا، وَلَمْ تَصْرِفْهَا عَنْهُ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ،