فهرس الكتاب

الصفحة 3512 من 3896

فَتُصْرَفُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ شَعْبَانَ، فَصَامَ رَجَبًا. وَيُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْقَضَاءِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ عُرْفَ هَذِهِ الْيَمِينِ فِي الْقَضَاءِ التَّعْجِيلُ، فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ إلَيْهِ.

(8116) فَصْلٌ: فَأَمَّا غَيْرُ قَضَاءِ الْحَقِّ، كَأَكْلِ شَيْءٍ، أَوْ شُرْبِهِ، أَوْ بَيْعِ شَيْءٍ، أَوْ شِرَائِهِ، أَوْ ضَرْبِ عَبْدٍ، وَنَحْوِهِ، فَمَتَى عَيَّنَ وَقْتَهُ، وَلَمْ يَنْوِ مَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَهُ، وَلَا كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِيهِ، لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِفِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ يَبَرُّ بِتَعْجِيلِهِ عَنْ وَقْتِهِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ تَصْرِفُ يَمِينَهُ، وَلَا سَبَبٍ، فَيَحْنَثُ، كَالصِّيَامِ. وَلَوْ فَعَلَ بَعْضَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَبَعْضَهُ فِي وَقْتِهِ، لَمْ يَبَرَّ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الْإِثْبَاتِ لَا يَبَرُّ فِيهَا إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَتَرْكُ بَعْضِهِ فِي وَقْتِهِ، كَتَرْكِ جَمِيعِهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِي أَنْ لَا يُجَاوِزَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، أَوْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ سَبَبُهَا.

(8117) فَصْلٌ: وَمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ بِعَشَرَةٍ، فَبَاعَهُ بِهَا أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهَا، حَنِثَ. وَإِنْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحْنَثُ إذَا بَاعَهُ بِأَقَلَّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ يَمِينُهُ. وَلَنَا، أَنَّ الْعُرْفَ فِي هَذَا أَنْ لَا يَبِيعَهُ بِهَا، وَلَا بِأَقَلَّ مِنْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ فِي بَيْعِهِ إنْسَانًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ بِعَشَرَةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا، وَلِأَنَّ هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى امْتِنَاعِهِ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ، كَثُبُوتِهِ بِاللَّفْظِ. إنْ حَلَفَ: لَا اشْتَرَيْتُهُ بِعَشَرَةٍ. فَاشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ، لَمْ يَحْنَثْ.

وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِهَا أَوْ بِأَكْثَرَ، حَنِثَ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَنْ لَا يَحْنَثَ إذَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ; لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ لَفْظًا. وَلَنَا، أَنَّهَا تَنَاوَلَتْهُ عُرْفًا وَتَنْبِيهًا، فَكَانَ حَانِثًا، كَمَا لَوْ حَلَفَ: مَا لَهُ عَلَيَّ حَبَّةٌ.

فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَيَبْرَأُ بِيَمِينِهِ مِمَّا زَادَ عَلَيْهَا، كَبَرَاءَتِهِ مِنْهَا. قِيلَ لِأَحْمَدَ رَجُلٌ إنْ حَلَفَ لَا يَنْقُصُ هَذَا الثَّوْبُ عَنْ كَذَا. قَالَ: قَدْ أَخَذْته، وَلَكِنْ هَبْ لِي كَذَا. قَالَ: هَذَا حِيلَةٌ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك بِكَذَا، وَأَهَبُ لِفُلَانٍ شَيْئًا آخَرَ. قَالَ هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. فَكَرِهَهُ.

(8118) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي غَدٍ، فَمَاتَ الْحَالِفُ مِنْ يَوْمِهِ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فِي غَدٍ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ. وَإِنْ مَاتَ، الْمُسْتَحِقُّ فَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ غَدًا، فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْيَوْمَ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ قَضَى وَرَثَتَهُ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّ قَضَاءَ وَرَثَتِهِ يَقُومُ مَقَامَ قَضَائِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، فَكَذَلِكَ فِي الْبِرِّ فِي يَمِينِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ، فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ ضَرْبُ غَيْرِهِ مَقَامَ ضَرْبِهِ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَبُو ثَوْرٍ: تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ، وَلَا يَحْنَثُ، سَوَاءٌ قَضَى وَرَثَتَهُ أَوْ لَمْ يَقْضِهِمْ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا، فِي مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ غَدًا، فَمَاتَ الْعَبْدُ الْيَوْمَ. وَإِنْ أَبْرَأَهُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْمُكْرَهِ هَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَضَاهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ، لَمْ يَحْنَثْ، عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى حَقَّهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِهِ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ.

(8119) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، أَوْ مَعَ رَأْسِهِ، أَوْ إلَى رَأْسِ الْهِلَالِ، أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِهِ، أَوْ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ، أَوْ مَعَ رَأْسِهِ، فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الشَّهْرِ، بَرَّ فِي يَمِينِهِ. وَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مَعَ إمْكَانِهِ، حَنِثَ. وَإِنْ شَرَعَ فِي عَدِّهِ أَوْ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ، فَتَأَخَّرَ الْقَضَاءُ لِكَثْرَتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْقَضَاءَ. وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت