فهرس الكتاب

الصفحة 950 من 3896

أَنَّهُ كَرِهَ الْمِنْطَقَةَ لِلْمُحْرِمِ، وَأَنَّهُ أَبَاحَ شَدَّ الْهِمْيَانِ، إذَا كَانَتْ فِيهِ النَّفَقَةُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْهِمْيَانَ تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ، وَالْمِنْطَقَةُ لَا نَفَقَةَ فِيهَا، فَأُبِيحَ شَدُّ مَا فِيهِ النَّفَقَةُ، لِلْحَاجَةِ إلَى حِفْظِهَا، وَلَمْ يُبَحْ شَدُّ مَا سِوَى ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَتْ فِيهِمَا نَفَقَةٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَفَقَةٌ، فَهُمَا سَوَاءٌ.

وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ: أُوثِقْ عَلَيْك نَفَقَتَك. فَرَخَّصَتْ فِيهَا إذَا كَانَتْ فِيهَا النَّفَقَةُ. وَلَمْ يُبِحْ أَحْمَدُ شَدَّ الْمِنْطَقَةِ لِوَجَعِ الظَّهْرِ، إلَّا أَنْ يَفْتَدِيَ ; لِأَنَّ الْمِنْطَقَةَ لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ لِمَحْظُورٍ فِي الْإِحْرَامِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ مَنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ لِدَفْعِ الْبَرْدِ، أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِإِزَالَةِ أَذَى الْقَمْلِ، أَوْ تَطَيَّبَ لِأَجْلِ الْمَرَضِ.

(2334) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَحْتَجِمَ، وَلَا يَقْطَعَ شَعْرًا)

أَمَّا الْحِجَامَةُ إذَا لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا فَمُبَاحَةٌ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ تَدَاوٍ بِإِخْرَاجِ دَمٍ، فَأَشْبَهَ الْفَصْدَ، وَبَطَّ الْجُرْحِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْتَجِمُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَرَى فِي الْحِجَامَةِ دَمًا. وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِدْيَةً، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَرَفَّهُ بِذَلِكَ، فَأَشْبَهَ شُرْبَ الْأَدْوِيَةِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي قَطْعِ الْعُضْوِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالْخِتَانِ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ. فَإِنْ احْتَاجَ فِي الْحِجَامَةِ إلَى قَطْعِ شَعْرٍ، فَلَهُ قَطْعُهُ ; لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُحَيْنَةَ، {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ بِلَحْيِ جَمَلٍ، فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأْسِهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ قَطْعُ الشَّعْرِ. وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ حَلْقُ الشَّعْرِ لِإِزَالَةِ أَذَى الْقَمْلِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

وَقَالَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ. وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} . الْآيَةَ، وَلِأَنَّهُ حَلْقُ شَعْرٍ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ غَيْرِهِ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، كَمَا لَوْ حَلَقَهُ لِإِزَالَةِ قَمْلِهِ. فَأَمَّا إنْ قَطَعَ عُضْوًا عَلَيْهِ شَعْرٌ، أَوْ جِلْدَةً عَلَيْهَا شَعْرٌ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ زَالَ تَبَعًا لِمَا لَا فِدْيَةَ فِيهِ.

(2335) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَتَقَلَّدُ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا احْتَاجَ إلَى تَقَلُّدِ السَّيْفِ، فَلَهُ ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ. وَأَبَاحَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ تَقَلُّدَهُ. وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْبَرَاءِ، قَالَ: {لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا إلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ} . - الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ - وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إبَاحَةِ حَمْلِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَأْمَنُونَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ، وَيَخْفِرُوا الذِّمَّةَ، وَاشْتَرَطُوا حَمْلَ السِّلَاحِ فِي قِرَابِهِ. فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا، إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ.

وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: لَا يَحْمِلُ الْمُحْرِمُ السِّلَاحَ فِي الْحَرَمِ. وَالْقِيَاسُ إبَاحَتُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى الْمَلْبُوسِ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت