فهرس الكتاب

الصفحة 851 من 3896

الْمُسَافِرَ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ، أَنَّ السَّفَرَ اُعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمَظِنَّةُ، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ، حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ بِنَفْسِهَا، فَإِنَّ قَلِيلَ الْمَشَقَّةِ لَا يُبِيحُ، وَكَثِيرَهَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، فَاعْتُبِرَتْ بِمَظِنَّتِهَا، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ، فَدَارَ الْحُكْمُ مَعَ الْمَظِنَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَالْمَرَضُ لَا ضَابِطَ لَهُ ; فَإِنَّ الْأَمْرَاضَ تَخْتَلِفُ، مِنْهَا مَا يَضُرُّ صَاحِبَهُ الصَّوْمُ وَمِنْهَا مَا لَا أَثَرَ لِلصَّوْمِ فِيهِ، كَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَجُرْحٍ فِي الْإِصْبَعِ، وَالدُّمَّلِ، وَالْقَرْحَةِ الْيَسِيرَةِ، وَالْجَرَبِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَصْلُحْ الْمَرَضُ ضَابِطًا، وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ مَا يُخَافُ مِنْهُ الضَّرَرُ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ.

فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ تَحَمَّلَ الْمَرِيضُ وَصَامَ مَعَ هَذَا، فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا ; لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ، وَتَرْكِهِ تَخْفِيفَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَبُولَ رُخْصَتِهِ، وَيَصِحُّ صَوْمُهُ وَيُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ أُبِيحَ تَرْكُهَا رُخْصَةٌ، فَإِذَا تَحَمَّلَهُ أَجْزَأْهُ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ إذَا حَضَرَهَا، وَاَلَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ إذَا قَامَ فِيهَا.

(2092) فَصْلٌ: وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَخْشَى الْمَرَضَ بِالصِّيَامِ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ زِيَادَتَهُ فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ ; لِأَنَّ الْمَرِيضَ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ خَوْفًا مِمَّا يَتَجَدَّدُ بِصِيَامِهِ، مِنْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ وَتَطَاوُلِهِ، فَالْخَوْفُ مِنْ تَجَدُّدِ الْمَرَضِ فِي مَعْنَاهُ.

قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ بِهِ شَهْوَةٌ غَالِبَةٌ لِلْجِمَاعِ، يَخَافُ أَنْ تَنْشَقَّ أُنْثَيَاهُ، فَلَهُ الْفِطْرُ. وَقَالَ فِي الْجَارِيَةِ: تَصُومُ إذَا حَاضَتْ، فَإِنْ جَهَدَهَا الصَّوْمُ فَلْتُفْطِرْ، وَلْتَقْضِ. يَعْنِي إذَا حَاضَتْ وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَمْ تَبْلُغْ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا إذَا كَانَتْ تَخَافُ الْمَرَضَ بِالصِّيَامِ، أُبِيحَ لَهَا الْفِطْرُ، وَإِلَّا فَلَا.

(2093) فَصْلٌ: وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِشِدَّةِ شَبَقِهِ، إنَّ أَمْكَنَهُ اسْتِدْفَاعُ الشَّهْوَةِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، كَالِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهِ، أَوْ بِيَدِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْجِمَاعُ ; لِأَنَّهُ فِطْرٌ لِلضَّرُورَةِ، فَلَمْ تُبَحْ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. وَإِنْ جَامَعَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَكَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ دَفْعُهَا بِمَا لَا يُفْسِدُ صَوْمَ غَيْرِهِ، كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الصَّغِيرَةِ، أَوْ الْكِتَابِيَّةِ، أَوْ مُبَاشَرَةِ الْكَبِيرَةِ الْمُسْلِمَةِ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ الِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِهِ، لَمْ يُبَحْ لَهُ. إفْسَادُ صَوْمِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إذَا انْدَفَعَتْ لَمْ يُبَحْ لَهُ مَا وَرَاءَهَا، كَالشِّبَعِ مِنْ الْمَيْتَةِ إذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِسَدِّ الرَّمَقِ.

وَإِنْ لَمْ تَنْدَفِعْ الضَّرُورَةُ إلَّا بِإِفْسَادِ صَوْمِ غَيْرِهِ، أُبِيحَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، فَأُبِيحَ كَفِطْرِهِ، وَكَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ يُفْطِرَانِ خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا. فَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ ; حَائِضٌ، وَطَاهِرٌ صَائِمَةٌ، وَدَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلَى وَطْءِ إحْدَاهُمَا، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، وَطْءُ الصَّائِمَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ فِي كِتَابِهِ، وَلِأَنَّ وَطْأَهَا فِيهِ أَذًى لَا يَزُولُ بِالْحَاجَةِ إلَى الْوَطْءِ. وَالثَّانِي: يُتَخَيَّرُ ; لِأَنَّ وَطْءَ الصَّائِمَةِ يُفْسِدُ صِيَامَهَا، فَتَتَعَارَضُ الْمَفْسَدَتَانِ، فَيَتَسَاوَيَانِ.

(2094) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ)

يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ، فَإِنْ صَامَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَجْزَأْهُ. وَجَوَازُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت