فهرس الكتاب

الصفحة 3017 من 3896

فِيهِ اعْتِقَادًا أَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ لَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ، فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ، ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ لِمَا أَتْلَفَ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي أَخْذِ الدَّيْنِ لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّهُ، فَبَانَ أَنَّهُ غَيْرُهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ لَهَا أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ أَرْشِ إفْضَائِهَا ; لِأَنَّ الْأَرْشَ لِإِتْلَافِ الْعُضْوِ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ ضَمَانِهِ وَضَمَانِ مَنْفَعَتِهِ، كَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنًا.

وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ تُنْقَلُ عَنْ الْوَطْءِ، فَلَمْ يَدْخُلُ بَدَلُهُ فِيهَا، كَمَا لَوْ كَسَرَ صَدْرَهَا. وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَإِنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، وَالْأَرْشُ يَجِبُ لِإِتْلَافِ الْحَاجِزِ، فَلَا تَدْخُلُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ.

(6992) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَطْلَقَ بَوْلُ الْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، مَعَ إفْضَائِهِمَا، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَالْمَهْرُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيَجِبُ أَكْثَرُهُمَا. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ.

(6993) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الضِّلْعِ بَعِيرٌ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرَانِ)

ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ فِي كُلِّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرَيْنِ، فَيَكُونُ فِي التَّرْقُوَتَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ. وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَالتَّرْقُوَةُ: هُوَ الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ الْعُنُقِ مِنْ النَّحْرِ إلَى الْكَتِفَ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَرْقُوَتَانِ، فَفِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ التَّرْقُوَتَانِ مَعًا، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِإِدْخَالِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَيَكُونُ فِي كُلِّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرٌ.

وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَإِسْحَاقُ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حُكُومَةً، وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّهُ عَظْمٌ بَاطِنٌ، لَا يَخْتَصُّ بِجَمَالِ وَمَنْفَعَةٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، كَسَائِرِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بِتَوْقِيفٍ أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَوْقِيفٌ وَلَا قِيَاسٌ. وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ فِي التَّرْقُوَةِ أَرْبَعِينَ دِينَارًا، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: فِي التَّرْقُوَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا ; لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِيهِمَا جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا، فَكَمَلَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ، كَالْيَدَيْنِ.

وَلَنَا، قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْهَاشِمَةِ ; فَإِنَّهَا كَسْرُ عِظَامٍ بَاطِنَةٍ، وَفِيهَا مُقَدَّرٌ. وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِجَمَالٍ وَمَنْفَعَةٍ. فَإِنَّ جَمَالَ هَذِهِ الْعِظَامِ وَنَفْعِهَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا، وَلَا مُشَارَكَ لَهَا فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فَمُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَافَقَهُ فِيهِ.

(6994) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي الزَّنْدِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ ; لِأَنَّهُ عَظْمَانِ)

قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي بِهِ الزَّنْدَيْنِ فِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ ; لِأَنَّ فِيهِمَا أَرْبَعَةَ عِظَامٍ، فَفِي كُلِّ عَظْمٍ بَعِيرٌ. وَهَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: فِيهِ حُكُومَةٌ ; لِمَا تَقَدَّمَ. وَلَنَا، مَا رَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ فِي أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ إذَا كُسِرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: إنَّ فِيهِ بَعِيرَيْنِ، وَإِذَا كُسِرَ الزَّنْدَيْنِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت