فهرس الكتاب

الصفحة 2576 من 3896

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَقَعُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ، فَيَقَعَ بِهَا ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الدَّارِ شَرْطٌ لِثَلَاثٍ، فَوَقَعَتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ.

وَلَنَا، أَنَّ"ثُمَّ"لِلْعَطْفِ، وَفِيهَا تَرْتِيبٌ، فَتَعَلَّقْت التَّطْلِيقَاتُ كُلُّهَا بِالدُّخُولِ؛ لِأَنَّ الْعِطْفَ لَا يَمْنَعُ تَعْلِيقَ الشَّرْطِ بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهَا، كَمَا يَجِبُ لَوْ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِالشَّرْطِ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ، وَلِأَنَّ الْأُولَى تَلِي الشَّرْطَ، فَلَمْ يَجُزْ وُقُوعُهَا بِدُونِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْأُولَى جَزَاءً لِلشَّرْطِ، وَعَقَّبَهُ إيَّاهَا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، الْمَوْضُوعَةِ لِلْجَزَاءِ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ كَسَائِرِ نَظَائِرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلَ زَيْدٌ دَارِي، فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا.

وَمَا ذَكَرُوهُ تَحَكُّمٌ، لَيْسَ لَهُ شَاهِدٌ فِي اللُّغَةِ، وَلَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ.

(6015) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ. لَمْ يَقَعْ بِهَا شَيْءٌ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ، فَتَقَعَ بِهَا الثَّلَاثُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ. وَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى وُقُوعِ طَلْقَتَيْنِ فِي الْحَالِ، وَتَبْقَى الثَّالِثَةُ مُعَلَّقَةً بِالدُّخُولِ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الشَّرْطَ الْمُتَقَدِّمَ لِلْمَعْطُوفِ، دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَيُعَلِّقُ بِهِ مَا يَبْعُدُ عَنْهُ، دُونَ مَا يَلِيهِ، وَيَجْعَلُ جَزَاءَهُ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ الْفَاءُ الَّتِي يُجَازَى بِهَا، دُونَ مَا وُجِدَتْ فِيهِ، تَحَكُّمًا لَا يَعْرِفُ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ نَظِيرًا. وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ. فَدَخَلَتْ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا. فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.

(6016) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَنْوِي وَاحِدَةً، فَهِيَ ثَلَاثٌ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. فَهِيَ ثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي الثَّلَاثِ، وَالنِّيَّةُ لَا تُعَارِضُ الصَّرِيحَ ; لِأَنَّهَا أَضْعَفُ مِنْ اللَّفْظِ، وَلِذَلِكَ لَا نَعْمَلُ بِمُجَرَّدِهَا، وَالصَّرِيحُ قَوِيٌّ يُعْمَلُ بِمُجَرَّدِهِ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَلَا يُعَارَضُ الْقَوِيُّ بِالضَّعِيفِ، كَمَا لَا يُعَارَضُ النَّصُّ بِالْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ إلَى بَعْضِ مُحْتَمِلَاتِهِ، وَالثَّلَاثُ نَصٌّ فِيهَا، لَا يَحْتَمِلُ الْوَاحِدَةَ بِحَالٍ، فَإِذَا نَوَى وَاحِدَةً، فَقَدْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَقَالَ: أَرَدْت وَاحِدًا.

(6017) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً، وَهُوَ يَنْوِي ثَلَاثًا، فَهِيَ وَاحِدَةٌ)

أَمَّا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً. وَنَوَى ثَلَاثًا، لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَإِذَا نَوَى ثَلَاثًا، فَقَدْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، فَلَوْ وَقَعَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، لَوَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: يَقَعُ ثَلَاثٌ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ وَاحِدَةً مَعَهَا اثْنَتَانِ. وَهَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: مَعَهَا اثْنَتَانِ. لَا يُؤَدِّيهِ مَعْنَى الْوَاحِدَةِ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ، فَنِيَّتُهُ فِيهِ نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ، فَلَا تَعْمَلُ، كَمَا لَوْ نَوَى الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ. وَأَمَّا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ. وَنَوَى ثَلَاثًا، فَهَذَا فِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَتَضَمَّنُ عَدَدًا، وَلَا بَيْنُونَةً، فَلَمْ تَقَعْ بِهِ الثَّلَاثُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً.

بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت