فهرس الكتاب

الصفحة 659 من 3896

يَتَفَسَّخَ، فَيُتْرَكَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُنْبَشُ ; لِأَنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا. وَلَنَا، أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ وَلَا تَسْقُطُ بِذَلِكَ، كَإِخْرَاجِ مَا لَهُ قِيمَةٌ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ. قُلْنَا: إنَّمَا هُوَ مُثْلَةٌ فِي حَقِّ مَنْ يُقْبَرُ وَلَا يُنْبَشُ.

(1665) فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْبَشُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ إنْ صُلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ جَازَ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَلَا يُنْبَشُ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ وَلَمْ يَنْبُشْهَا} . وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ دُفِنَ قَبْلَ وَاجِبٍ، فَنُبِشَ، كَمَا لَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، وَإِنَّمَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.

وَأَمَّا الْمِسْكِينَةُ فَقَدْ كَانَتْ صُلِّيَ عَلَيْهَا، وَلَمْ تَبْقَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةً، فَلَمْ تُنْبَشْ لِذَلِكَ. فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ، لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ.

(1666) فَصْلٌ: وَإِنْ دُفِنَ بِغَيْرِ كَفَنٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُتْرَكُ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْكَفَنِ سَتْرُهُ، وَقَدْ حَصَلَ سَتْرُهُ بِالتُّرَابِ. وَالثَّانِي، يُنْبَشُ وَيُكَفَّنُ ; لِأَنَّ التَّكْفِينَ وَاجِبٌ، فَأَشْبَهَ الْغُسْلَ. وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَغْرَمُ قِيمَتَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَا يُنْبَشُ ; لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ بِدُونِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْبَشَ، إذَا كَانَ الْكَفَنُ بَاقِيًا بِحَالِهِ ; لِيُرَدَّ إلَى مَالِكِهِ عَنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ بَالِيًا فَقِيمَتُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ.

فَإِنْ دُفِنَ فِي أَرْضِ غَصْبٍ، أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، نُبِشَ وَأُخْرِجَ ; لِأَنَّ الْقَبْرَ فِي الْأَرْضِ يَدُومُ ضَرَرُهُ، وَيَكْثُرُ، بِخِلَافِ الْكَفَنِ. وَإِنْ أَذِنَ الْمَالِكُ فِي الدَّفْنِ فِي أَرْضِهِ، ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهُ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا. وَإِنْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَعَادَ تُرَابًا، فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذُهَا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَجَزْنَا نَبْشَهُ لِحُرْمَةِ مِلْكِ الْآدَمِيِّ، فَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ احْتِرَامًا لِلْمَيِّتِ.

(1667) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، بُدِئَ بِالْجِنَازَةِ، وَإِذَا حَضَرَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ بُدِئَ بِالْمَغْرِبِ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ وَالْمَكْتُوبَةُ، بُدِئَ بِالْمَكْتُوبَةِ، إلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ ; لِأَنَّ مَا بَعْدَهُمَا وَقْتٌ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ. وَيُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَتَادَةَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ ; لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَأَيْسَرُ، وَالْجِنَازَةُ يَتَطَاوَلُ أَمْرُهَا، وَالِاشْتِغَالُ بِهَا، فَإِنْ قَدَّمَ جَمِيعَ أَمْرِهَا عَلَى الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَى إلَى تَفْوِيتِهَا، وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ انْتَظَرَ فَرَاغَ الْمَكْتُوبَةِ لَمْ يَعُدْ تَقْدِيمُهَا شَيْئًا، إلَّا فِي الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، فَإِنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا بَعِيدٌ أَنْ يَقَعُ فِي غَيْرِ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ أَوَّلًا.

(1668) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ - يَعْنِي عَلَى الْمَيِّتِ - فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَنِصْفِ النَّهَارِ، وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ: {ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى يَمِيلَ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمَعْنَى تَتَضَيَّفُ: أَيْ تَجْنَحُ وَتَمِيلُ لِلْغُرُوبِ، مِنْ قَوْلِك: تَضَيَّفْتُ فُلَانًا: إذَا مِلْت إلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَعْنَى أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا، يَعْنِي الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت