الْخَصْمِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى خَصْمِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ، فَجَرَى مَجْرَى مُطَالَبَتِهِ الْحَاكِمَ بِالْحُكْمِ، وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا حُجَّةٌ، لَكِنْ إنَّمَا جَعَلَهَا حُجَّةً شَهَادَةُ الشَّاهِدِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَى شَهَادَتِهِ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا النِّصْفُ الْمَحْكُومُ بِهِ، إذَا قُلْنَا: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي.
(8469) فَصْل: وَإِذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَقَالُوا: عَمَدْنَا. وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ، لَمْ يُعَزَّرُوا ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُغْنِي عَنْ تَعْزِيرِهِمْ. وَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ، عُزِّرُوا، وَغَرِمُوا ; لِأَنَّهُمْ جَنَوْا جِنَايَةً كَبِيرَةً، وَارْتَكَبُوا جَرِيمَةً عَظِيمَةً، وَهِيَ شَهَادَةُ الزُّورِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُعَزَّرُوا ; لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ تَوْبَةٌ مِنْهُمْ، فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ التَّعْزِيرُ، وَلِأَنَّ شَرْعِيَّةَ تَعْزِيرِهِمْ تَمْنَعُهُمْ الرُّجُوعَ خَوْفًا مِنْهُ، فَلَا يُشْرَعُ.
وَإِنْ قَالُوا: أَخْطَأْنَا. لَمْ يُعَزَّرُوا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} . هَذَا إنْ كَانَ قَوْلُهُمْ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ فِي الْخَطَإِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ، عُزِّرُوا، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ.
(8470) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَطَعَ الْحَاكِمُ يَدَ السَّارِقِ، بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ، أَوْ فَاسِقَانِ، كَانَتْ دِيَةُ الْيَدِ فِي بَيْتِ الْمَالِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ، فِي قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ، وَأَنْفَذَ ذَلِكَ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ، أَوْ فَاسِقَانِ، أَوْ عَبْدَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا مُقِيمَانِ عَلَى أَنَّهُمَا صَادِقَانِ فِيمَا شَهِدَا بِهِ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ مَنَعَ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا، بِخِلَافِ الرَّاجِعَيْنِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِكَذِبِهِمَا، وَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ، أَوْ الْإِمَامِ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَفِي مَحَلِّهَا رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ نَائِبٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَوَكِيلُهُمْ، وَخَطَأُ الْوَكِيلِ فِي حَقِّ مُوَكِّلِهِ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّ خَطَأَ الْحَاكِمِ يَكْثُرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَحُكُومَاتِهِ، فَإِيجَابُ ضَمَانِ مَا يُخْطِئُ فِيهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ إجْحَافٌ بِهِ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّخْفِيفَ عَنْهُ، بِجَعْلِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى حَمَلَتْ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْخَطَأِ عَنْ الْقَاتِلِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، هِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُخَفَّفَةً مُؤَجَّلَةً ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً ذُكِرَتْ عِنْدَ عُمَرَ بِسُوءٍ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا، فَأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنِهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا شَيْءَ عَلَيْك، إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ. وَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَيْك الدِّيَةُ. فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْت عَلَيْك لَا تَبْرَحْ حَتَّى تُقَسِّمَهَا عَلَى قَوْمِكَ. يَعْنِي قُرَيْشًا ; لِأَنَّهُمْ عَاقِلَةُ عُمَرَ، وَلَوْ كَانَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ، لَمْ يُقَسِّمْهَا عَلَى قَوْمِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ خَطَئِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ. كَخَطَئِهِ فِي غَيْرِ الْحُكُومَةِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.
فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ. لَمْ تَحْمِلْ إلَّا الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، وَلَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، كَذَا هَاهُنَا، وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ. وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ