فهرس الكتاب

الصفحة 1322 من 3896

مَذْكُورًا بَعْدَهَا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ

الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَقَعَ الرَّهْنُ مَعَ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِلدَّيْنِ، فَيَقُولُ: بِعْتُك ثَوْبِي هَذَا بِعَشْرَةٍ إلَى شَهْرٍ، تَرْهَنُنِي بِهَا عَبْدَك سَعْدًا. فَيَقُولُ: قَبِلْت ذَلِكَ. فَيَصِحُّ أَيْضًا. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ثُبُوتِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْقِدْهُ مَعَ ثُبُوتِ الْحَقِّ، وَيَشْتَرِطْ فِيهِ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إلْزَامِ الْمُشْتَرِي عَقْدَهُ، وَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَى الْمُشْتَرِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَبْذُلُهُ، فَتَفُوتُ الْوَثِيقَةُ بِالْحَقِّ.

الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يَرْهَنَهُ قَبْلَ الْحَقِّ، فَيَقُولُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا بِعَشْرَةٍ تُقْرِضُنِيهَا. فَلَا يَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَصِحُّ.

فَمَتَى قَالَ: رَهَنْتُك ثَوْبِي هَذَا بِعَشْرَةٍ تُقْرِضُنِيهَا غَدًا. وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ أَقْرَضَهُ الدَّرَاهِمَ، لَزِمَ الرَّهْنُ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ، فَجَازَ عَقْدُهَا قَبْلَ وُجُوبِهِ، كَالضَّمَانِ، أَوْ فَجَازَ انْعِقَادُهَا عَلَى شَيْءٍ يَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَضَمَانِ الدَّرْكِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ لَا يَلْزَمُ قَبْلَهُ، فَلَمْ تَصِحَّ قَبْلَهُ كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، فَلَا يَسْبِقُهُ، كَالشَّهَادَةِ، وَالثَّمَنُ لَا يَتَقَدَّمُ الْبَيْعَ. وَأَمَّا الضَّمَانُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الضَّمَانَ الْتِزَامُ مَالٍ تَبَرُّعًا بِالْقَوْلِ، فَجَازَ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ ثَابِتٍ، كَالنَّذْرِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ.

(3275) مَسْأَلَةٌ قَالَ (وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ)

يَعْنِي لَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بِالْقَبْضِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، لَا يَلْزَمُ رَهْنُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَفِيمَا عَدَّاهُمَا رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ.

وَالْأُخْرَى، يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، كَالْبَيْعِ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي. وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ خَاصَّةً. وَلَيْسَ بِصَحِيحِ ; فَإِنَّ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ مَعَ عُمُومِهِ، قَدْ أَتْبَعَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّعْمِيمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ، فَقَبْضُهُ أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ رَاهِنِهِ مَنْقُولًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، فَقَبْضُهُ بِتَخْلِيَةِ رَاهِنِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.

وَقَدْ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الدَّارِ وَالْجَارِيَةِ إذَا رَدَّهَا إلَى الرَّاهِنِ: لَمْ يَكُنْ رَهْنًا فِي الْحَالِ. وَهَذَا كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْتَزِمُ الرَّهْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَلْزَمُ بِالْقَبْضِ، فَلَزِمَ قَبْلَهُ، كَالْبَيْعِ.

وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . وَصَفَهَا بِكَوْنِهَا مَقْبُوضَةً، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبْضِ، كَالْقَرْضِ، وَلِأَنَّهُ رَهْنٌ لَمْ يُقْبَضْ، فَلَا يَلْزَمُ إقْبَاضُهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ، وَلَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ، فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَلَيْسَ بِإِرْفَاقِ. وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ:"مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ". يَعْنِي أَنَّ الرَّاهِنَ الَّذِي يَرْهَنُ وَيَقْبِضُ، يَكُونُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَهُوَ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ، وَلَا يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حَالِ رَهْنِهِ وَإِقْبَاضِهِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ وَالتَّسْلِيمَ لَيْسَ بِوَاجِبِ، وَإِنَّمَا هُوَ إلَى اخْتِيَارِ الرَّاهِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ، لَمْ يَصِحَّ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، كَالْبَيْعِ.

فَإِنْ جُنَّ أَحَدُ الْمُتَرَاهِنَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ مَاتَ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِجُنُونِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ مَوْتِهِ، كَالْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ، وَيَقُومُ وَلِيُّ الْمَجْنُونِ مَقَامَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ الرَّاهِنَ، وَكَانَ الْحَظُّ فِي التَّقْبِيضِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي بَيْعٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت