فَصْلٌ: وَإِذَا دَخَلَتْ الْحَرْبِيَّةُ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا فِي دَارِنَا، ثُمَّ أَرَادَتْ الرُّجُوعَ، لَمْ تُمْنَعْ، إذَا رَضِيَ زَوْجُهَا أَوْ فَارَقَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، تُمْنَعُ. وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ الْمُقَامُ بِهِ، فَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ.
(7489) مَسْأَلَة قَالَ: (وَمَنْ طَلَبَ الْأَمَانَ لِيَفْتَحَ الْحِصْنَ، فَفَعَلَ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا الْمُعْطِي. لَمْ يُقْتَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا حَصَرُوا حِصْنًا، فَنَادَاهُمْ رَجُلٌ: آمِنُونِي أَفْتَحْ لَكُمْ الْحِصْنَ. جَازَ أَنْ يُعْطُوهُ أَمَانًا ; فَإِنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ لَمَّا حُصِرَ النُّجَيْرُ، قَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: أَعْطُونِي الْأَمَانَ لِعَشَرَةٍ، أَفْتَحْ لَكُمْ الْحِصْنَ. فَفَعَلُوا.
فَإِنْ أَشْكَلَ الَّذِي أَعْطَى الْأَمَانَ، وَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ، فَإِنْ عُرِفَ صَاحِبُ الْأَمَانِ، عُمِلَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْتَمِلُ صِدْقُهُ، وَقَدْ اشْتَبَهَ الْمُبَاحُ بِالْمُحَرَّمِ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، فَحَرُمَ الْكُلُّ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةِ، أَوْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ، أَوْ اشْتَبَهَ زَانٍ مُحْصَنٌ بِرِجَالٍ مَعْصُومِينَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَحْرُمُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْقَتْلِ، فَإِنَّ اسْتِرْقَاقَ مَنْ لَا يَحِلُّ اسْتِرْقَاقُهُ مُحَرَّمٌ.
وَالثَّانِي، يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، فَيَخْرُجُ صَاحِبُ الْأَمَانِ بِالْقُرْعَةِ، وَيَسْتَرِقُّ الْبَاقُونَ. قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ وَأَشْكَلَ، وَيُخَالِفُ الْقَتْلَ، فَإِنَّهُ إرَاقَةُ دَمٍ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، بِخِلَافِ الرِّقِّ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْقَتْلُ فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ دُونَ الِاسْتِرْقَاقِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إذَا أَسْلَمَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ قَبْلَ فَتْحِهِ، أَشْرَفَ عَلَيْنَا، ثُمَّ أَشْكَلَ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ الَّذِي أَسْلَمَ: يَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي قِيمَةِ نَفْسِهِ وَيُتْرَكُ لَهُ عُشْرُ قِيمَتِهِ.
وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
(7490) فَصْل قَالَ أَحْمَدُ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ: كُفَّ عَنِّي حَتَّى أَدُلَّك عَلَى كَذَا. فَبُعِثَ مَعَهُ قَوْمٌ لِيَدُلَّهُمْ، فَامْتَنَعَ مِنْ الدَّلَالَةِ، فَلَهُمْ ضَرْبُ عُنُقِهِ ; لِأَنَّ أَمَانَهُ بِشَرْطٍ، وَلَمْ يُوجَدْ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا لَقِيَ عِلْجًا، فَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَلَا يُؤَمِّنُهُ ; لِأَنَّهُ يُخَافُ شَرُّهُ، وَإِنْ كَانُوا سَرِيَّةً، فَلَهُمْ أَمَانُهُ. يَعْنِي أَنَّ السَّرِيَّةَ لَا يَخَافُونَ مِنْ غَدْرِ الْعِلْجِ قَتْلَهُمْ، بِخِلَافِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ لَقِيت السَّرِيَّةُ أَعْلَاجًا، فَادَّعَوْا أَنَّهُمْ جَاءُوا مُسْتَأْمِنِينَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ ; لِأَنَّ حَمْلَهُمْ السِّلَاحَ يَدُلُّ عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ، قُبِلَ قَوْلُهُمْ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ.
(7491) وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، نَظَرْت ; فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِدُخُولِهِمْ إلَيْنَا تُجَّارًا بِغَيْرِ أَمَانٍ، لَمْ يُعْرَضْ لَهُمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا رَكِبَ الْقَوْمُ فِي الْبَحْرِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ فِيهِ تُجَّارٌ مُشْرِكُونَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ يُرِيدُونَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَعْرِضُوا لَهُمْ، وَلَمْ يُقَاتِلُوهُمْ، وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِتِجَارَةٍ، بُويِعَ، وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ تِجَارَةٌ، فَقَالَ: جِئْت مُسْتَأْمِنًا. لَمْ يُقْبَلْ