بِالتَّحَكُّمِ، وَلِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ تَحِلّ لِلْأَزْوَاجِ، وَيَحِلُّ لِلْمُطَلِّقِ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ لِمَوْتِهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ، وَتُخَالِفُ الَّتِي مَاتَ فِي عِدَّتِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَرِثُهُ، فَإِنَّهَا لَوْ وَرِثَتْهُ لَأَفْضَى إلَى أَنْ يَرِثَ الرَّجُلَ ثَمَانِيَ زَوْجَاتٍ.
فَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَتْ إحْدَى هَؤُلَاءِ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَلَا تَرِثُهُ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ الْبَائِنُ لَا تَرِثُ، كَالْأَمَةِ أَوْ الْحَرَّةِ يُطَلِّقُهَا الْعَبْدُ، أَوْ الذِّمِّيَّةُ يُطَلِّقُهَا الْمُسْلِمُ، وَالْمُخْتَلِعَةُ أَوْ فَاعِلَةُ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا، لَمْ تَلْزَمْهَا عِدَّةٌ، سَوَاءٌ مَاتَ زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا أَوْ بَعْدَهَا، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، فَهُمْ عَلَّلُوا نَقْلَهَا إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ بِإِرْثِهَا وَهَذِهِ لَيْسَتْ وَارِثَةً، فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ فِي الصِّحَّةِ، وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ فِي الصِّحَّة إذَا كَانَتْ بَائِنًا، فَمَاتَ زَوْجُهَا، فَإِنَّهَا تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وَلَا تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهَا أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ. وَلَنَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} وَلِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ فِي نِكَاحِهِ، وَمِيرَاثِهِ، وَالْحِلِّ لَهُ وَوُقُوعِ طَلَاقِهِ، وَظِهَارِهِ، وَتَحِلُّ لَهُ أُخْتُهَا وَأَرْبَعٌ سِوَاهَا، فَلَمْ تَعْتَدَّ لِوَفَاتِهِ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي الْمُطَلَّقَةِ فِي الْمَرَضِ، أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، تَعْتَدُّ أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ. وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ تَنْقَضِي بِهِ كُلُّ عِدَّةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهَا الِاعْتِدَادُ بِغَيْرِ الْحَمْلِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(6333) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، أَمَةً كَانَتْ أَوْ حُرَّةً)
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْحَامِلَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ حَمْلِهَا. وَكَذَلِكَ كُلُّ مُفَارِقَةٍ فِي الْحَيَاةِ. وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، أَجَلُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ، أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ. وَقَالَهُ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ لَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ سُبَيْعَةَ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ أَنْ تَنْكِحَ فِي دَمِهَا. وَيُحْكَى عَنْ حَمَّادٍ وَإِسْحَاقَ أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي حَتَّى تَطْهُرَ.
وَأَبَى سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا: لَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجهَا، حَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَلَكِنْ، لَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا وَتَغْتَسِلَ ; وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: {قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَوْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا ؟ قَالَ هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا} وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَوْ لَاعَنْتُهُ: إنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ الْأَخِيرَةُ، فَتُقَدَّمُ عَلَى مَا خَالَفَهَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَيُخَصُّ بِهَا عُمُومُهَا.