فهرس الكتاب

الصفحة 707 من 3896

يَنُوبَانِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ النِّيَّةَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا زَكَاتُهُ، أَوْ زَكَاةُ مَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ. كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ ; لِأَنَّ مَحَلَّ الِاعْتِقَادَاتِ كُلِّهَا الْقَلْبُ.

(1759) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الْأَدَاءِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ; وَلِأَنَّ هَذِهِ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا، فَاعْتِبَارُ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِلْإِخْرَاجِ يُؤَدِّي إلَى التَّغْرِيرِ بِمَالِهِ، فَإِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى وَكِيلِهِ، وَنَوَى هُوَ دُونَ الْوَكِيلِ، جَازَ إذَا لَمْ تَتَقَدَّمْ نِيَّتُهُ الدَّفْعَ بِزَمَنِ طَوِيلٍ. وَإِنْ تَقَدَّمَتْ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ لَمْ يَجُزْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَوَى حَالَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ، وَنَوَى الْوَكِيلُ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْمُسْتَحِقِّ، وَلَوْ نَوَى الْوَكِيلُ وَلَمْ يَنْوِ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَالْإِجْزَاءُ يَقَعُ عَنْهُ.

وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ نَاوِيًا وَلَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ حَالَ دَفْعِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ، جَازَ، وَإِنْ طَالَ ; لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ. وَلَوْ تَصَدَّقَ الْإِنْسَانُ بِجَمِيعِ مَالِهِ تَطَوُّعًا وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الزَّكَاةَ، لَمْ يُجْزِئْهُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ اسْتِحْبَابًا وَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْفَرْضَ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِهِ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى مِائَةَ رَكْعَةٍ وَلَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ بِهَا.

(1760) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ فَشَكَّ فِي سَلَامَتِهِ، جَازَ لَهُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْهُ، وَكَانَتْ نِيَّةُ الْإِخْرَاجِ صَحِيحَةً ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ. فَإِنْ نَوَى إنْ كَانَ مَالِي سَالِمًا فَهَذِهِ زَكَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَهِيَ تَطَوُّعٌ. فَبَانَ سَالِمًا، أَجْزَأَتْ نِيَّتُهُ ; لِأَنَّهُ أَخْلَصَ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهَا النَّفَلَ، وَهَذَا حُكْمُهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْهُ، فَإِذَا قَالَهُ لَمْ يَضُرَّ.

وَلَوْ قَالَ: هَذَا زَكَاةُ مَالِي الْغَائِبِ أَوْ الْحَاضِرِ. صَحَّ ; لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا إذَا أَخْرَجَ نِصْفَ دِينَارٍ عَنْهَا، صَحَّ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَقَعُ عَنْ عِشْرِينَ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ. وَإِنْ قَالَ: هَذَا زَكَاةُ مَالِي الْغَائِبِ أَوْ تَطَوُّعٌ. لَمْ يُجْزِئْهُ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ.

أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أُصَلِّي فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا. وَإِنْ قَالَ: هَذَا زَكَاةُ مَالِي الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا وَإِلَّا فَهُوَ زَكَاةُ مَالِي الْحَاضِرِ. أَجْزَأَهُ عَنْ السَّالِمِ مِنْهُمَا. وَإِنْ كَانَا سَالِمَيْنِ فَعَنْ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَإِنْ قَالَ: زَكَاةُ مَالِي الْغَائِبِ. وَأَطْلَقَ، فَبَانَ تَالِفًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى زَكَاةِ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ عَيَّنَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ كَفَّارَةٍ عَيَّنَهَا فَلَمْ يَقَعْ عَنْهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهُ إلَى كَفَّارَةٍ أُخْرَى.

هَذَا التَّفْرِيعُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمُعَيَّنَةَ مِمَّا لَا يَمْنَعُ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ فِي بَلَدِ رَبِّ الْمَالِ ; إمَّا لِقُرْبِهِ، أَوْ لِكَوْنِ الْبَلَدِ لَا يُوجَدُ فِيهِ أَهْلُ السَّهْمَانِ، أَوْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِإِخْرَاجِهَا فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنْ بَلَدِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ مُوَرِّثٌ غَائِبٌ فَقَالَ: إنْ كَانَ مُوَرِّثِي قَدْ مَاتَ، فَهَذِهِ زَكَاةُ مَالِهِ الَّذِي وَرِثْته مِنْهُ، فَبَانَ مَيِّتًا، لَمْ يُجْزِئْهُ مَا أَخْرَجَ ; لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لَيْلَةَ الشَّكِّ: إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ نَفْلٌ.

(1761) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (إلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا)

.مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ الْإِنْسَانَ مَتَى دَفَعَ زَكَاتَهُ طَوْعًا لَمْ تُجْزِئْهُ إلَّا بِنِيَّةٍ، سَوَاءٌ دَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا، أَجْزَأَتْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ; لِأَنَّ تَعَذُّرَ النِّيَّةِ فِي حَقِّهِ أَسْقَطَ وُجُوبَهَا عَنْهُ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ. وَقَالَ الْقَاضِي: مَتَى أَخَذَهَا الْإِمَامُ أَجْزَأَتْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، سَوَاءٌ أَخَذَهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا.

وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ أَخْذَ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ الْقَسْمِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ، وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً فِي أَخْذِهَا، وَلِذَلِكَ يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُمْتَنِعِ اتِّفَاقًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت